في عالمنا العربي بوجه عام، وفي مصر بوجه خاص الحياة، مجرد الحياة، هم ثقيل؛ معاناة الذهاب إلى العمل والرجوع منه، معاناة إنهاء معاملة في مصلحة حكومية، معاناة التعامل مع الناس المختلفين والمخالفين، معاناة الصبر على الأذى السمعي والبصري والبدني والبيئي، معاناة تربية الأبناء ومحاولة توفير أبسط أسس الحياة الكريمة لهم من سكن آدمي وتعليم محترم وغذاء صحي... كل هذا الهم الخاص لم يترك للكثير من الناس رفاهية تحمل شيء من الهم العام الذي رضيت أن تتحمله رضوى مع همها الخاص الذي ربما لم يكن شيئا من هموم عامة الناس التي ذكرنا بعضها في الأعلى، ولكنه كان هما أثقل من هذه الهموم جميعا، إنه هم المرض الخبيث، وما أدراك ما المرض الخبيث؟! كيف تحملت رضوى كل هذه الأثقال؛ ثقل المرض المتوحش، مع ثقل التدريس الجامعي، مع ثقل الكتابة والتأليف، مع ثقل السياسة والعمل بها، مع ثقل الثورة، التي كانت تسكن على بعد خطوات منها، تسمع رصاصها وتشم غازها وترى دماءها! أكثر من أربعين سنة وهي تحلم بهذه اللحظة وهذا اليوم، ثم لما جاء كانت هي على موعد مع الرحيل، فرحلت وهي ترى زهرة الحلم تذبل أمام عينيها يوما بعد يوم وشمعة الأمل وهي تنطفيء شيئا فشيئا! ماتت الثورة وهي لم تكمل عامها الثالث، ثم لحقت بها رضوى بعدها بعام! تحملت رضوى ثقل المرض لسنوات ولكن ضياع الحلم كان أثقل من رضوى!

هذا عن رضوى.. رحمها الله.. أما الكتاب فهو كثير من السيرة قليل من الذكريات وبعض اليوميات! نصف الكلام تقريبا عن معاناتها مع المرض ورحلات العلاج الطويلة والعمليات الخطيرة وتفاصيلها المخيفة! وهذا هو الجزء الأكثر وجعا وإيلاما في الكتاب. أما باقي الكتاب فهو متفرقات ومتناثرات فيها كثير عن الثورة والثوار، والميدان والشهداء، وقليل عن الشعر والشعراء، والرسم والجرافيتي!

لم تصرح رضوى بشكل مباشر عن توجهها السياسي ورأيها في مسار الثورة، لكن اتجاه الكلام غالبا ما يفصح عن توجه الكاتب، فمن يقرأ "أثقل من رضوى" سيعرف أن رضوى - رحمها الله - كانت مع الثورة وضد الإخوان، وأنها تحمل الرئيس المنتخب - رحمه الله - مسئولية الانقسام الذي حدث في صفوف الثوار وأدى إلى مزيد من الدماء والشهداء. على الرغم من الأخطاء والخطايا التي ارتكبها الإخوان من بداية الثورة وحتى مظاهرات الثلاثين من يونيو، إلا أنني أختلف معها - رحمها الله - في هذا الرأي، ولا مجال لمزيد من الكلام في هذا الأمر بعد كل ما جرى ولا يزال يجري بحق كل من شاركوا في ثورة يناير من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار! فما صرنا إليه الآن هو أن ٢٥ يناير أصبحت، بقوة القانون أو بقانون القوة، مؤامرة، وكل من شارك فيها الآن إما شهيد أو سجين أو لاجيء أو ساكت! وهذا المصير يشترك فيه الجميع الآن؛ الإخوان وغير الإخوان! وإن كان الإخوان بسبب حجمهم وشعببتهم وقوة تأثيرهم، هم من دفعوا، ولازالوا يدفعون، الضريبة الأكبر والأفدح!

رحم الله الدكتورة رضوى والدكتور مرسي وغفر لهما ولكل شهداء ثورة ٢٥ يناير.