{الودَاع الأخير}

(أعتقد بأنه حان وقت رسالة الوداع الأخيرة، دنت ساعة الرحيل والارتقاء الذي أرجو أن أكون به شهيد. أوجه هذه الرسالة لكِ يا وردة حبي، ربما لا أندم على شيء من الدنيا التي تركتها خلفي سوى قلبكِ الذي لم أصنه يوماً بحبي ولم أتجاسر بأن ينطق لساني بأغاني عشقكِ، وأقترب منكِ كحبيب أهدى نفسه لأجلكِ، يا وردة الكرز ستفاجئين حتماً بكلماتي هذه وتعتقدين أنها هذيان رجل مقبل على الموت ويتصور تلك الفتاة عشيقته حتى يخطو خطواته الأخيرة بشجاعة وهو يتمسك بذكرى حبها، وربما تلعنين الساعة التي قررتُ أن أكتب فيها هذه الكلمات وأن أعترف بذلك في وقت مضى أوانه، أو قد تكونين شديدة الغضب والاستياء مني بسبب حماقتي التي جعلتني لا ألحظ حبكِ يوماً نعم.. كنتُ أحمق فيما مضى بسبب لعنة خُتمت على قلبي كانت على يديّ فتاة عشقتها ولم أخبرك من أمرها شيئاً ،لأني حينها كنت أعلم بحبكِ لي لكن ظننته حب فتاة مراهقة سيمضي كما يمضي الشتاء مخلّفا الربيع. لكن على كل حال فلم أرغب أن ينجرح قلبكِ بعلاقتي تلك. فالتزمت الصمت حتى يأتي الوقت المناسب لأخبركِ فقد كان رضاكِ في هذه المسألة هماً حملته في صدري ليالٍ دون علمكِ.

كان ذلك قبل سنين مضت حين كنتُ بعمر الرابعة والعشرين وكنتِ فتاة الثامنة عشر، تلك الفتاة التي عشقتها كانت زميلة ثم صديقة ثم روح تلازمني، بعد ذلك عشت سعادة الطفل وحنان الأم وخوف الأب وثورة الشباب وحكمة الشيخ كلها مجتمعة بداخلي حين كنت بصحبتها، ظننتُ أننا كالغيم والسماء نكون أكثر جمالاً وإشراق حين يجتمع حبنا ويتحول إلى غيث ينشر السَعد.

لكن ذلك كله كان أوهامٌ وسراب ما لبث أن تقشع وانتهى! كان قلب الفتاة عند غيري وكان جسدها يلهو به عابث ما! قالت بأنه حُبها قبلي.. طُعنت برصاص أراهن أنه أقوى من صاروخ العدو وبنادقه.. كانت فتاة تلعب أدوار التمثيل والغنج بلا شك وريبة، حتى أن علمت خداعها حين وجدتُ رسالة كنتُ أطلب فيها أن نحتفل بيوم تخرجنا معاً وجدتها عند زميل آخر وقد أعطته إياها وهي غير مبالية بمعرفتي بخيانتها لحبنا، كانت تلك اللحظة التي صرّحت فيها بالحقيقة بدت كأن الشيطان قد تجسد أمامي. لأجل ذلك يا وردة عمري رفعتكِ عن منزلة الدنس تلك، فلا أريد أن أُدنسكِ بجُرم الخيانة ولا الغدر! لقد خشيتُ وألم بي الخوف كما يخاف الجندي الضعيف أمام فوهة البندقية...بأن تفعليها مثل تلك الفتاة! أن تعيدي تلك المأساة معي وأنا الذي وضعت مكانتك بين طُهر السحاب وبياضها، وقد كنتُ فيما قبل أعتبركِ مثل رفيقة وابنة خالة لا أرى سعادة الدنيا إلا براحتها وهدوئها.

لكن ما لبثت أن مرت السنون حتى بدأتِ تُبرزين سحراً تملَّك وجدان فؤادي، وعيناي التي كانت في غشاوة من ذي قبل، انقشعت أول مرة على جمالكِ في حفلة الزفاف تلك، وإنما كان مَثلُ جمالكِ كشمس دافئة تحب وجودها وقربها غير آبه بالنظر نحو مصدر أشعتها، لكن ما إن تتأمل سحر خيوطها المنبعثة من قرص الشمس الساطع حتى تقف إجلالا واحتراماً لتلك الصنعة الربانية. 

يا وردة العشق الذي انتهى قبل أن يبدأ، والجمال الخالد الذي رحل قبل أن يسطُع، يا وردة العذراء التي يُترفع عن شم رحيقها الطاهر، صورتكِ ستظل رفيقة لي في ميدان معركتي الأخيرة ودعواتكِ سترسل إلي في سماء الشهيد.

عاشقكِ لا ابن خالتكِ: أكرم )

عندها أغلقتُ الرسالة التي وصلت إلي بعد زمن طويل من رحيل أكرم الذي توج هو وبقية الجنود نصر البلاد بأرواحهم. تلك الرسالة التي كتب كأنها صوت صارخ في وسط صحراء جرداء لم يعد من سامع أو مجيب لها:

كانت بداية النهاية يا أكرم منذ فتاة الغنج التي ذكرت، ومن بعدها تلك اللوحة "هذان رجلان" التي عرضتها في إحدى المعارض الفنية وقد صُدمت حينها بإعجاب والتفات المسؤولين والزوار من حولها ! كانت كفيلة تلك اللوحة بأن تخبرني أن البشر تتشارك وحدة الهموم وأن بين وحشتها تجد أُلفة تتقاسم معك غصات الألم وساعات اليأس، رأيت حينها في عالم الفن وأهله ومعاناتهم بأنه بدأ يهبني حياة ليست متقوقعة في "سحر التعلق بك".

وبعد أن مرت ٣ سنين على رحيلك بدأت أتأكد أن ما كان بيننا ليس عشقاً ولا حب ! كان مجرد حب خلقته الظروف لأجلنا، كان تعلق تحت الظروف كما يتعلّق الغريق بتلك الخشبة الوحيدة التي تنجيه في لّجج البحر وأمواجه، فلو تغيرت تلك الظروف وتبدلّت لو كانت وفية لك فتاة الغنج تلك، لما رأى قلبك فيني مسوغاً للحب، ولو لم أكن منطوية ومنعزلة في بحر أحزاني ومخاوفي لما أفزعني البعد عنك!

أنت لا تزال معاناتي وندباتي التي لم أشفى منها بعد لكن قلبي لم يعد نابضاً بالحب لك.

لذلك لم يكن بيننا غير حُب هيأته الظروف! لهذا أنت الآن:

"ابن خالتي الشهيد: أكرم وفقط!"

ثم أخذتُ تلك الرسالة الأخيرة وأشعلتُ القدَّاحة حتى أحرق كل حرف تحتويه، وقد بدت كأنما روحي تنتعش وتستمد القوة من ذلك اللهب الذي أراه يفتت أجزاء الرسالة الأخيرة! 

~~~

النهاية..

١١ أغسطس ٢٠١٨ م 

الموافق يوم السبت

منال

♡♡♡

شكراً لكل من تابع القصة منذ البداية حتى النهاية وكلي شوق لمعرفة ملاحظاتكم وانتقاداتكم حول القصة. 

☆وعلّنا نلتقي في قصة أخرى☆