في حانة قريبة على زاوية الشارع تحلق الثلاثة معاً على طاولة واحدة؛ وبدأ النقاش المنفعل بين رودن وبيل يأخذ منعطف حاد وكانت كاتيا تشرب بهدوء وهي تتابعهما بازدراء وانزعاج باد لولا رجاء رودن لها واصراره لما فكرت في القدوم معهما وقد وعدها كذلك بمكآفاة مُجزلة إذا سارت الأمور كما يريد.

-يا للمشروب الرديء الذي يُقدم هنا !

-بالطبع سيد بيل لا تتوقع أن تحصل على شيء فاخر في هذه الأحياء التعيسة!

رمقه بيل بنظرة جوفاء مكتفي بالصمت ثم بعد برهة بدأ بالتحدث وقد تغيرت نبرته للجد والصرامة:

-إنه مسؤول قسم الإدارة رجل لا تود أن تتورط معه رودن ثق بي!

ملأ رودن جوفه بآخر ما تبقى في كأسه دفعة واحدة ثم قال وهو يحدق النظر نحو بيل بقسوة:

-اسمع اللعنة عليك وعلى صاحبك هذا إن كل هذا لا يهمني.. لن اطلب بأقل من ٢٠ ألف دولار !

-لكني بريء أيها اللعين! وتلك مبالغة على متشرد مثلك!

قاطعه بيل بعصبية ونظرات الخوف بدت في عينيه بقوة ولأول مرة!

صمت رودن للحظة والتفت نحو كاتيا التي كانت منزعجة من هذه الصفقة بشدة.

-لا يهم! لتذهب إلى الجحيم ليس من مسؤوليتي إذا كنت أحمق كفاية وتم تلفيق تلك التهم ضدك! أنا اهتم الآن بحياتي الوضيعة البائسة وتلك الأوراق ستنهي بؤسها هل تفهم يا بيل البريء!

-يا لك من وضيع متعجرف! اسمع إنهم كانوا يراقبوني منذ فترة والآن متأكد بأنهم سيعودون هنا للبحث عنك بما أن الحقيبة فارغة..!

ضحك رودن ساخراً:

-انت رجل جبان بالفعل يا بيل وإذا عادوا لن يحصلوا على تلك الأوراق مهما حصل!

أخذ بيل يضحك بخفة وهزء ثم ازداد ضحكه بصخب أكبر ثم أخذ يقهقه ضاحكاً وهو بالكاد يتنفس وقد صوبت أنظار الزبائن في الحانة على تلك الجبلة التي أحدثها:

-هيه هل تظن بأنك تساوي شيئاً أيها المتشرد؟! أم أن تلك الفتاة الشرسة ستدافع عنك! رصاصة واحدة فقط وستنهي حياتك التعيسة! رصاصة واحدة كفيلة بأن تمحي وجودك الذي لم يعره أحد أي انتباه حتى وصلت لما أنت عليه الآن رودن المتشرد!

برجاء وذعر بدأ يدب في نفسها قالت كاتيا:

-تباً رودن ارجوك لتعطيه الأوراق اللعينة ويتفاهم هو ومسؤول الإدارة ذلك! لسنا إلا في موقف ضعف حقير لا يسمح لنا بالتساوم حتى..!

ثم فجأة قامت كاتيا من كرسيها وهي تتجه خارج الحانة مذعورة ومضطربة وفوراً قام رودن من خلفها وأوقفها وهو يمسكها من ذراعها ويهمس لها بحنق:

-كاتيا أين تذهبين؟! ألم نتفق بأن تظلين رفقتي إلى أن تنتهي تلك الصفقة؟!

-ليس بعد ما رأيت!

-ماذا رأيتِ؟!

-إننا مراقبون!...إياك أن تلتفت كن طبيعياً!

بذعر كانت كاتيا تدور ببصرها نحو شخص يحدق ويترصد لهم من طاولة منعزلة.

بعد لحظات ببطء التفت رودن على من حوله ولم يلاحظ ذلك الرجل المترصد؛ فاقترب من كاتيا ببطء ومد يده إليها وقد بدأت نغمات موسيقى هادئة تملأ المكان ثم قال لها وهو يبتسم بلطف:

-سيدتي الجميلة هل ترغبين مشاركتي في رقصة؟!

جمدت كاتيا في مكانها وهي لا تستوعب ما الذي يدور في رأس هذا الأحمق رودن لكنها لشدة توترها أرادت التقدم والرقص حتى تزيل الضغط الذي يحيط بها وتبعد تلك الأعين المترصدة نحوهما.

وعلى نغمات هادئة ورقصات رشيقة وحركات ناعمة تراقص الثنائيان وهما يشعران بنشوة بالغة تنسيهما تعب وإعياء التشرد وبؤسه وكأنها بدت رقصة الانتقام من الفقر! وعلى تلك الطاولة كان يستمع بيل للأغنية بهدوء وقد بدا أنه افرط في الشرب من ذلك المشروب الرديء حتى بدأ يتناسى وجود رودن ورفيقته.

وهما يتابعان خطواتهما الراقصة همس رودن بلطف:

-كاتيا ستظلين معي حتى نصل لما أريد أليس كذلك؟!

-لننهي هذا الجنون الذي بدأته معاً رودن!

-يا لجمالِ عينيكِ عن قرب!

-هل تُذكرك بعينيها ؟!

-نعم كثيراً..

-لماذا تركتها يمكنك العودة لها متى تريد بالتأكيد إنها تنتظرك..

ثم سحبت يديه برقة وهي تلمس خاتم الزواج على يديه..

-لو يمكن أن يعود الأموات لفعلتُ كاتيا !

ثم التمعت عينيه بشيء من الأسف الشديد والحزن العميق.

-إنه قادم نحونا لنهرب رودن! 

~~~

أسرع كل من رودن وكاتيا الخطى وهما يحاولان الابتعاد عن الرجل الذي يسير من خلفهم بمسافة غير بعيدة.

-ماذا عن بيل لماذا تركناه من خلفنا كاتيا؟!

-سيشتبهون بنا إذا كنا برفقته، هو من يحتاجنا الآن وسيبحث عنا فيما بعد دعنا نحاول الاختباء الآن في مكان ما.

عند ساعة ما بعد منتصف الليل الساكن بدأ المطر يهطل ويشتدّ ودوي الرعد يصخب السمع ويفزع النفس وهناك على إحدى الزوايا وتحت سقف من خراب وبقايا حاجيات مُتلفة كان يجلس كل من رودن وكاتيا وهما يحتميان من المطر وقد التصقا ببعضهما بشدة طلباً للدفء.

-اللعنة عليك يا بيل.. لو اعطيتنا المال لكنا الآن في حال أفضل..!

-أتظنهُ يبحث عنا؟!

بانفعال أجاب رودن:

-بالتأكيد لابد أن يفعل.. لابد له أن يفعلها ذلك الأحمق!

-كيف توفيت رودن.. أعني زوجتك..؟!

التفت رودن مباشرة نحوها وأخذ يحدق فيها بانتباه ثم أضاف بعد برهة:

-في مثل هذا اليوم قررت أن تغادر! جرعة مخدرات زائدة أنهت بها حياتها!

لم تلتق عينيّ كاتيا برودن بل تحاشت النظر نحوه وأخذ الصمت منهم لحظات ثقيلة مشبعة بالألم والفجيعة!

وحين التمع برق السماء بضوء لامع جبار ظهر ما كانت تُخبئه كاتيا بين يديها المرتعشة بقوة؛ عندها جفل رودن وارتجفت كل خلية في جسده معيدة له ذكرى الماضي البائس!

-كاتيا ما الذي بين يديك؟! أتودين أن تُنهي قصة حياتكِ بجرعة المخدرات تلك ؟!

واختفى ضوء البرق تاركاً ظلمة النفوس البائسة تكتمل مع ظلمة الليلة الداكنة باحثة عن بريق أمل يعيد لها ضوء الحياة المبهج! 


يُتبع..