يا لبؤس سكان أهل المدينة الحديثة في بعدهم عن العيش قُرب الطبيعة!
في ذات ظهيرة هادئة كنتُ أقوم بأعمال التنظيف المعتادة واعمل على تكنيس الأرضية وإذا بفراشة ذات ألوان زاهية منقطة باللون الأسود والبرتقالي ملّقية على الأرض الكن ذلك لم يشفع لها فقد فزعتُ من مرائها متراجعة للوراء قليلاً صاخبة:

" فراشة ملونة!! "

ثم تذكرت أختي الكبرى وقد صرخت هي الأخرى في الصباح الباكر لوجود تلك الفراشة؛ حاولت أن اتقدم لأقضي عليها نبهتني أختي محذرة: لا تقتليها إنها حية!
حية! نعم.. لا زال لديها شيء من غريزة بقائها وبالفعل فقد حركت إحدى جناحتها الرشيقة وقد اكتساها غبار الأرضية.
ثم ضحكت على نفسي ساخرة:
يا لبؤس وخوف سكان أهل المدينة بالكاد لم تكن سوى فراشة ضعيفة قد علقت بطريقة ما داخل منزلنا! ترى لماذا فزعتُ حين رؤيتها وربما اشمئزت نفسي بعض الشيء؟!رغم أنها هي ذاتها من نشاهد صورها ويخطف جمالها أبصارنا حتى نتسمر أمام الشاشة ! أتراها حين تحولت لكائن حيّ تجسد أمامي فزعت نفسي!
يا لبؤس سكان المدينة في البعد عن الطبيعة وهي تعطينا تلك العفوية والطفولة دونما خشية!
ثم سكنتْ الفراشة فجأة فأخذت اتساءل حينها: "هل ماتت؟ منذ متى؟ أكان قبل بضع لحظات؟ لماذا لا تطير؟ ما بالها ترفض الحُرية؟ لماذا لا تبتعد من أمامي أنا البشرية التي قد أقضي عليها حتى يبقى منزلي نظيفاً لامعاً رغم أنها لم تأتي من قذارة؟ ترى هل حياة الفراشات قصيرة؟ هل يمكن لها أن تُجدد أجنحتها إذا كانت تأذت إحداها؟.."
ثم تجاهلتها حتى أُكمل أعمالي وهي لا تزال قابعة مكانها لا تحرك ساكنة!
هل أنا أمر بجانب جثة هل أذهب واجيء دونما فعل شيء لها؟
تساءلت حينها عن مقدار جثث الإنسان من حولنا وقد اخترنا تجاهلها دونما فعل شيء! لماذا يا ترى؟ لماذا اخترنا ذلك الجانب البائس؟
هل لأننا سكان المدينة الحديثة؟

لا أظن ذلك فقط؛ لأنها لم تكن أمامنا حاضرة حتى نحدق بأعينها الشاخصة وجسدها المقتول وقد نشفت دماء تلك الجثث؛ لقد تجاهلنا أمرها وفي أحسن الأحوال رثينا حالها بحزن عميق أو بلسان فقط دون قلب!
حينها اخترت أن اُخرج تلك الفراشة قرب الشمس الدافئة التي كان يفترض عيشها في حديقة ذات ألوان مبهرة تتشابه مع ألوانها الرقيقة ولعلّ تلك الشمس ترثي لحالها فقد كانت وحدها من تقدر الطبيعة وأهلها في وسط أهل المدينة الحديثة.
"يا لضعفكِ في تلك المدينة الحديثة أيتها الفراشة الصغيرة..

يا ذات الجمال الغامض.. 

يا ذات الجناح الرافض..

يا ذات النهاية العاجزة..

يا أثر يضمحل في المدينة.."
ثم حدث مالم أتوقع لقد تحركت تلك الفراشة إنها حية لم تكن جثة طوال ذلك الوقت! إن كلتا جناحها يتحركان لكن لا أدري لما ترفض الطيران! على كل حال لم أكن خبيرة في الفراشات وأطوارها فأخذتها نحو الشمس خارج المنزل قرب النافذة على الأقل ستعرف هناك موعد شروق الشمس من غروبها بدل عزلة بيوت أهل المدينة الحديثة!