السفر إلى السماء

قصة قصيرة ✍️

لم يكن من السهل أبدًا أن يستيقظ الناس لليوم الثاني على التوالي، والحال كما هو عليه.

الشمس لم تُشرق هذا اليوم أيضًا، هناك خلل، هناك عائق يحولُ دون خروج الشمس للسماء، ماذا يحدث.. ظلام يعم أرجاء المدينة، بشوارعها، وبيوتها. الطرقات تبدو مُوحشة، والهدوء كائن مخيف يفرض نفسه، والناس فيما بينهم خائفون لماذا لم تشرق الشمس!

لا يُعقل أن يستمر كسوف الشمس ليومين متتاليين، ما الذي فعلناه منع الشمس عن مُواصلة عملها، ونشر أشعتها علينا؟

مرت سبع أيام تأكد فيها الناس أنهم أصبحوا في عمق الكارثة لا محالة، النباتات تذبل وتسقط الثمار دون اكتمال، لا نبات يقوى علي الصمود دون الحاجة إلى أشعة الشمس التي تمدهُ بالغذاء، مئات الموتى يتم نقلهم إلى المقابر الجماعية كل يوم، لنقص الأكسجين، ما هذا الإعصار الذي يحصد الأرواح، إنه غضب الإله، وتساءل الناس:

-هل كنا فاسدون إلى هذا الحد؟

وأجاب آخرون بل نحن جزء من الفساد، ولا نشعر.

تنقضي الأيام، ولا تشرق الشمس علي المدينة، بينما تشرق هناك بالبلدان الأخرى، والحكومات تنشر جنودها علي الحدود بينها وبين هذه المدينة حتى لا يتسلل أفرادها للدخول إلى بلدانهم حيث الشمس لا زالت تشرق، ورُغم ذلك عكف أُناس علي نقل الأفراد إلى داخل هذه البلاد مقابل المال بالاتفاق مع بعض الجنود على أن يكون لهم نسبة من المال نظير كل رأس تعبر الحدود، وفي كثير من الأحيان كانت الأمور تمر بسلام، بينما حدث ذات مرة أنه تم الاتفاق على مرور مائة رجل وامراة والدخول إلى حدود الدولة التي تشرق فيها الشمس، وفي أثناء سيرهم استوقفهم جنود آخرون وحالوا دون دخولهم، وهاج الجمع مطالبين بحقهم في الدخول حتى وإن كان بطريقة غير شرعية، ودن سابق إنذار أطلق عليهم الجنود الرصاص جميعهم.

وعلى أثر ذلك فُرضت عقوبات وخيمة علي هذه المدينة، وأحكمت الجنود قبضتها على الحدود فلا مخرج لأحد منهم، سيبقوا جميعًا في مواجهة الموت الذي لا يتوانى عن الحضور دون انقطاع.

النبات يموت، والحاجة إلى الأكسجين تزيد بمرور الأيام، ما دعى إلى ضرورة أنابيب الأكسجين التي كانت تصل من البلدان المجاورة عن طريق شركة BL لمالكها جوهان ريمنسون وكان يبيع الأنبوب الواحد بخمس أضعاف السعر الرسمي في الأيام العادية حتى ظن الناس أن هذا الرجل له اليد العليا في إحجام الشمس عن الشروق على هذه المدينة، وتزايد الطلب على الأنابيب لنقص الأكسجين في المدينة، وبدأ الاقتتال للحصول على هذه الأنابيب، ودفع الناس ما كان لديهم من مال حتى قارب أكثرهم على الإفلاس، واستمر تشييع الموتى دون انقطاع.

وفي ظُلمة النهار التي لا تنقطع منذُ بضع أيام، تلاقى رجلان، يبدو من هيئتهما أنه لا خير من وراءهما.. هكذا يُشير إليهما الناس كلما اجتمعا. تلفت أحدهما حوله، وأحاط فمه بقبضة يده، وبصوتٍ هادىء دون أو ينظر إلى خليله قال:

-كُتبَ لنا أن نصبح من الأغنياء، أولئك الذين ينامون على الحرير.

غير أن الأخر أسرع في تساؤله، ولم يعطِ لما حوله اهتمامًا فقال:

-متى، وكيف.. دُلني.

-الناس هنا لا حديث لهم إلا عن غياب الشمس، ومتى ستعود، أرى أن نقترح عليهم جمع مبلغ من المال عن كل شخص يسكن هذه المدينة، ونصعد بها إلى الشمس ونقدم لها النقود قربانًا لتنشر أشعتها علي مدينتنا من جديد.

تهلل وجه الرجل، وراح يدور حول صديقه وهو يربت على كتيفيه بينما ينظر إلى الفراغ ثم ردد مخاطبًا أحلامه:

-وبعد ذلك نأخد النقود، ونهربُ إلى مدينة أخرى، حيث الشمس هناك مشرقة، والعيش هناك رغيد، والناس لا تعرف من نحن، ومن أين لنا بهذا.

ونظر لصديقه وأكمل:

-سأدعوا الناس أن تقيم لك تمثالًا على جهدك في مساعدتهم للخروج من الأزمة.

وقهقه عاليًا حتى ملأ صوته ظلام المدينة من حوله.

ساعات قليلة كانت تكفي لانتشار الخبر، وتداوله فيما بين الناس الذين يتشدقون لمجيء الشمس مرة أخرى، الحياة سارية، والأكسجين علي وشك النفاذ، ولا نبات يمد المدينة بالمزيد منه. المدينة يخيم عليها ظلام هالك كالفتوة الذي يبطش بأهل قرية في زمنٍ ما، فلا يُسمع لهم صوت، ولا نفس، والحركة تقل من شوارع المدينة. الكل يلزم بيته ومقامه لعل الموت يزورهم وهم في أحضان غرفهم، وبين ذويهم، ما هذا الشبح الذي يحيطهم، فلا يعرفون سببًا لإعراض الشمس عن مدينتهم على وجه الخصوص، ولا يجدون من يقدم لهم إجابة عن.. متى تشرق الشمس، وتبتسم الحياة؟

لذا وجد اللصان الأرض ممهدة لنصب خطتهم بين الناس، وسرى الخبر، وتناقله الكبير والصغير آملين في الحل حتى وإن جاءهم على لسان لصان. ما هذا الجهل؟ ألا يتعظ الناس!

إن طبيعة الإنسان تهوى من يضللها، من يستنزف قواها، ويهتك ستر بصيرتها، وتبغض من يقول الحق ويرشدهم إلى سلام الأمور.. ما أعجب الناس!

الصوت يتردد، ويسبح في الظلام. النقود.. النقود والشمس سوف تعود.