تحتل شركة أوتوديسك Autodesk المرتبة الأولى في عالم برامج الرسم الهندسي، وأمام برامجها الكثيرة يحتار المستخدم المبتدئ من أين يبدأ. أما إذا فتحنا المجال للمقارنة مع منتجات الشركات الأخرى فستصبح الحيرة أكبر بكثير. هدفي في هذا المقال مساعدة طلاب الهندسة المعمارية وكل المهتمين بحقل البناء والإنشاء في اختيار البرامج الأكثر مناسبة مع متطلبات المهنة. ولذلك اخترت برنامجي أوتوكاد وريفيت فهما سيلخصان الفكرة التي تدور حولها معظم البرامج ومعظم النقاشات، إذ أن مبدأ العمل لكل منهما يتشابه مع برامج أخرى تنتجها شركات أخرى. وبالطبع لا يمكنني إغفال الحديث عن أرشيكاد في معرض حديثي عن برامج الرسم الهندسي والمعماري!

أوتوكاد Autocad ونظام الكاد CAD:

عندما ظهرت برامج الكاد شكلت طفرة في عالم الهندسة ككل، وفي عالم العمارة والإنشاء بشكل خاص. فمن كان سيتخيل ظهور هذه المباني المذهلة والمعقدة دون الاستعانة بالحاسوب؟! ولكن نظام الكاد لم يكن مخصصاً فقط للمباني، فهو برنامج رسم هندسي شامل، ومبدؤه بسيط! مجرد رسم باستخدام الأشكال الهندسية البسيطة! الخط المستقيم، الدائرة، الشكل الرباعي المنتظم، وما إلى ذلك.. فهو لا يفهم أنك رسمت باباً ولا شباكاً، صممت مبنى أم طائرة أم آلة. كل ما يفهمه هو مجموعة الخطوط والأشكال المرسومة. لذلك كان قريباً من مبدأ الرسم اليدوي، فسرع الإنجاز وسهل العمل. ولكن ميزته تلك هي ما سببت تراجعه أمام برامج الرسم المخصصة لأعمال المباني.

ريفيت Revet ونظام بي آي إم BIM:

يتوجه هذا النظام بشكل خاص إلى هندسة المباني، شاملاً بذلك الهندسة المعمارية والإنشائية والميكانيكية والكهربائية المتعلقة برسم وإنشاء المباني. ومع برنامج ريفيت ونظام بي آي إم، أحبذ شخصياً استخدام مصطلح نمذجة بدلاً من مصطلح رسم.

يستطيع الريفيت ببساطة فهم الجدار كجدار، والباب كباب، والشباك كشباك. لأنه لا يستخدم المستقيم أو المنحني كأداة للرسم، بل يستخدم ببساطة الجدار والشباك والسقف و.. كأدوات أساسية للعمل فيه. فبدلاً من رسم خطين متوازيين في المسقط الأفقي للتعبير عن الجدار كما في أوتوكاد، كل ما عليك فعله في الريفيت هو اختيار أداة رسم الجدران! سيطلب منك البرنامج تحديد سماكة الجدار وطبقات إكسائه وارتفاعه ومنسوبه وكافة التفاصيل المتعلقة به. بذلك يستطيع البرنامج التعامل مع المخططات المرسومة كمبنى بأبعاده الثلاث وبكافة طبقات العمل فيه من إنشاء وإكساء يتناوب على رسمها مهندسون من تخصصات مختلفة يعملون على نفس المشروع وفي نفس الملف، بينما يعجز الأوتوكاد عن ذلك. وعلى الرغم من أن الأوتوكاد يستطيع إنجاز رسومات ثلاثية الأبعاد ولكنه لا يعرف ما يرسم ولا يستطيع مساعدتك مثلاً في إعداد واجهة للمبنى من المسقط الأفقي فقط، كل ما يفهمه مجموعة من الخطوط تشكل رسماً معيناً. ولذلك يعجز عن القيام بالحسابات المتعلقة بها، كأعمال حصر الكميات أو حساب الأحمال الحرارية وتأثير المناخ الخارجي على المناخ الداخلي للمبنى وكل الأعمال التي تحتاج من البرنامج فهم المواد المستخدمة في البناء وخواصها. وفي المقابل يستطيع الريفيت القيام بهذه المهام بسهولة.

في حال قام مهندس ما في ملف الأوتوكاد بتعديل بُعدٍ معين فقد عدّل في هذا الرسم وهذا البعد فقط لا غير. لا يمكن لذلك التعديل أن يؤثر على أي رسومات أخرى في المبنى. بينما كل تعديل في الريفيت هو تعديل في المبنى يظهر أثره في العناصر الأخرى ويقوم البرنامج تلقائياً بتعديل كافة الرسومات المتعلقة به. فالمبنى في الأوتوكاد مجموعة خطوط. بينما في الريفيت المبنى مبنى!

برامج أوتوكاد المخصصة:

تنافس شركة أوتوديسك نفسها وتحاول إلغاء الشركات الأخرى بإنتاج المزيد من البرامج المساعدة في إنجاز الأعمال الهندسية، فأنتجت نسخاً مخصصة من أوتوكاد للتخصصات الهندسية كافة. فلدينا الأوتوكاد المعماري، والأوتوكاد الميكانيكي، والأوتوكاد الإنشائي.. كل تلك البرامج تتميز عن أوتوكاد الأم باحتوائها نماذج "بلوكات" جاهزة متخصصة. ففي المعماري يوجد جدار وباب وشباك... وفي الميكانيكي يوجد مسنن وأنبوب وما إلى ذلك... مع هذا فهي تعجز عن فهم طبيعة المبنى، وتعجز عن إجراء التكامل بين كافة الرسومات المعمارية والإنشائية والميكانيكية والكهربائية، كما أنها لا تستطيع إجراء الحسابات البيئية أو التنفيذية. ولكنها تساعد بعض الشيء في تسريع إنجاز العمل وفي إنتاج كافة الرسومات انطلاقاً من المسقط الأفقي.

عيوب الريفيت مقارنةً بميزاته:

أولئك الذين يعرفون ما يفعلون، تكبّلهم تلك المعرفة بالكثير من القيود. فبدلاً من رسم خطوط منحنية بكل سهولة على أوتوكاد، تبدو مهمة رسم سقف منحنٍ على الريفيت من الصعوبة بمكان. حتى أنتَ أعيتْك المعرفة يا ريفيت!

الخبرة الكافية على البرنامج تسهّل رسم الأشكال المنحنية والمائلة، ولكن ذلك يبدو صعباً لمن يقارن العمل بالخفة التي يتمتع بها أوتوكاد وتكامله مع البرامج الأخرى من أوتوديسك، كبرنامج ثري دي اس ماكس 3Ds max للرسومات ثلاثية الأبعاد.

نعم يمكنك رسم المبنى على أوتوكاد، ويمكنك إضافة البعد الثالث إليه في الماكس، أو حتى البعد الرابع "الزمن"، ولكن ستبقى رسومات الأوتوكاد مجرد خطوط، ويبقى منتج الماكس مجرد صور أو فيديوهات. بينما منتج الريفيت يتمثل في مبنى افتراضي يمثل أمامك على شاشة الحاسوب، تعرّضه للشمس وترى مدى تأثره بذلك، تبدّل مواد الإكساء فيه وتلاحظ تأثير ذلك على الكميات والمواصفات والميزانية، تبدل في مخططه المعماري فيطرأ التعديل تلقائياً على كافة المخططات الأخرى.

رغم كل تلك المميزات التي يتمتع بها الريفيت فلا يزال الإقبال على تعلم الأوتوكاد مستمراً، لماذا؟

لا يزال تعلّم الأوتوكاد ضرورياً!

السبب ببساطة هو الحاجة إلى فترة انتقالية! لا يزال لدينا جيل كبير من المهندسين لا يجيدون التعامل إلا مع الأوتوكاد! عدا عن ذلك فإن أجهزة الكمبيوتر في البلديات في كثير من الدول لا تزال تحوي برنامج أوتوكاد فقط دون غيره من البرامج! وإن انتقال برنامج كالريفيت لكي يصبح متداولاً في رسم الوثائق الهندسية الرسمية يحتاج فترة طويلة من الوقت تكفي لتدريب جيل جديد من المهندسين على مواكبة التطور المستمر في برامج الرسم والإظهار الهندسي.

مع ذلك فكثير من الخبراء يرى أن الريفيت هو برنامج المستقبل. ومع الدعم المستمر له من شركة أوتوديسك من الواضح أنها تريد جعله برنامجها الأول في الرسم الهندسي عوضاً عن أوتوكاد.

على العموم فقد بات إتقان الريفيت أساسياً للمهندس حتى يستطيع تثبيت رجله في سوق العمل، فكثير وكثير من الشركات والمكاتب الهندسية باتت لا تولي اهتماماً إلى سيرة ذاتية لا تحمل الريفيت في سطورها.

ماذا عن أرشيكاد Archicad؟

أرشيكاد أو أركيكاد برنامج يعمل بنظام بي آي إم كما الريفيت، تطوره شركة جرافي سوفت Graphisoft. ولطالما كان أرشيكاد المنافس التقليدي لأوتوكاد قبل ظهور الريفيت.

لا يقل الأرشيكاد عن منافسيه من شركة أوتوديسك إلا بالدعاية والإعلان! ولكن لا تستهن بذلك. فتكلمُ معظم المهندسين لغة أوتوديسك يجعلك لا ترغب أن تكون شبه وحيد في تكلم لغة أخرى. نعم، لطالما كان للأرشيكاد عشاقه عندما كان يغرّد منفرداً على عرش نظام بي آي إم، ولكن الآن أوتوديسك لديها بديل تسوّق له بشكل كبير على أنه برنامج المستقبل. مع تكامل كبير مع عشرات المنتجات من نفس الشركة ومن الشركات الأخرى المهتمة في هذا المجال كمحركات الإظهار "الرندر Render" وغيرها.

رغم ذلك يبقى لأرشيكاد سوقه وعشاقه وخبرته الطويلة وتكامله مع برامج أخرى تنتجها شركته وشركات أخرى، بينما يجذب الريفيت يومياً أقداماً أخرى إلى طريقه ويعدهم بالكثير!

إذاً، ماذا نتعلم؟

أنصحك بالريفيت. ولا يمكنك الجهل بأوتوكاد!

الأوتوكاد برنامج سهل يمكنك خلال أيام قليلة إتقان أساسيات العمل عليه والبدء بإنتاج رسومات هندسية كاملة. فلا تتكاسل عن تعلمه فهو لا يزال الأول في سوق العمل! وقبله أو بعده عليك احتراف الريفيت. فالريفيت لا يساعدك في الرسم فقط، بل يقلل نسبة الخطأ في الرسومات إلى أدنى مستوياتها. فلا يمكن مثلاً لواجهة مبنى أن تكون أبعادها مختلفة عن المسقط الأفقي كما يحصل كثيراً في أوتوكاد.

بالنسبة لأرشيكاد.. يمكنك تعلمه فهو سهل بالعمل ويتقاطع مع الريفيت في كثير من المفاصل، لكنني لا أرى سوق العمل في البلاد العربية تطلبه كثيراً.

عن نفسي، أنا لا أزال في عملي أدور في فلك منظومة "أوتوكاد Autocad، ماكس 3Ds max، فيراي Vray، فوتوشوب Photoshop"، ولكنني اتخذت قراري بتعلم الريفيت وقد قطعت إلى اليوم شوطاً طويلاً في إتقان أساسياته مفتوناً بمدى كماله وحسن منتجه.

المقال من إعداد: م. معاذ رجب

مراجع:

https://www.autodesk.com/solutions/revit-vs-autocad

http://www.graphisoft.com/archicad/

https://www.autodesk.com/products/autocad/overview

https://www.autodesk.com/products/revit/overview