يصادف أن نستيقظ صباحا، فتتسلل إلى أذهاننا بعض الهواجس،كأن نقول مثلا في قرارة أنفسنا لما نستيقظ؟ ولما نذهب إلى العمل؟إلى المدرسة...لما علينا أن نتحمل برد السابعة صباحا؟!بدل أن نغوص في نومنا الدافئ إلى وقت غير محدد،نتساءل أيضا ونحن في الطريق، بعد أن تمكنا من التخلص من المرحلة الأولى من الهواجس،ونقول هل لما نفعله الآن معنى؟أ لوجودنا من الأساس هدف؟!


إذا لم يحدث هذا مع الجميع في كل يوم وفي كل دقيقة،فغالب الأمر حدث معهم في لحظة ما،أو سيحدث معهم يوما ما،ستقتحمهم هذه الهواجس الثائرة على نسق المألوف الهادئ،وستجترح طمأنينتهم وتساءل ركودها،وتوقظ فيهم دهشة الطفل،وهو يتعرف العالم.


كان" ألبير كامو"(مفكر وكاتب فرنسي-جزائري،ولد سنة1913 وتوفي سنة 1960) قد كتب رواية ذات صيت عالمي،موسومة ب"الغريب"سنة 1942،تتناول ثيمة العبث واللامعنى في الوجود الإنساني،"كامو" الذي قال يوما "إن أكثر الحوادث عبثية هي أن تموت في حادثة سير"؛وكأن هذه الجملة استلت من أوراقه وشكلت روحا وجسدا، فتآمرت مع الطريق والسيارة لتثبت قوله وتختبره،كامو إذن مات في حادث سير!


بمجرد بداية قراءة الرواية،تذوب الأنا في شخصية "مورسو"،فليس هذا الأخير من يقرأ الرسالة التي أتته من مأوى المسنين،وإنما يحصل لنا نوع من التماهي معه،فتبدا رحلة اللامعنى ونستشف صور وثيمات العبث،عبر رحلة الغريب إلى دهاليز الخواء.


"اليوم ماتت أمي،ربما البارحة،لست أدري"،بهذه اللامبالاة يقرأ الغريب رسالة الملجأ الذي وضع به أمه منذ ثلاث سنوات، لم يبالي ولم يبكي في مراسم الدفن ولم تظهر عليه أية علامة للحزن،بل في اليوم التالي قضى ليلة مع صديقته،ربما هذا البرود ليس لأنه غير  انساني أو أنه يفتقد للأحاسيس والمشاعر،وإنما لأن هذا الغريب قد علم بشكل قبلي بعبثية هذا العالم الغير معقول والغير منطقي!


هذا الغريب سيحاكمه الجميع في الأخير؛والتهمة هي:اللامبالاة،ولأنه لم يبكي على قبر أمه!والجريمة التي ارتكبها لم تكن إلا جريمة رمزية،وصورة دلالية للتعبير عن العبث،فالصدفة هي من جعلته يتواجد بالشاطئ،و جعلت الشمس تسطع بتوهج ثقيل و أزعجته وسببت له شعورا مضجرا؛هي السبب الرئيس ليخرج مسدسه ويطلق خمس رصاصات نحو الضحية.


إن غريب كامو؛يسكن كل واحد منا،ويختفي أحيانا، ربما لأننا نطرده بعيدا،ببعض الإبتسامات وببعض الأعمال،ولكن أحايين أخرى يعود على نحو غريب.


وإن كان العالم عقلانيا ومنطقيا ويفسر بنواميس وعلاقات سببية،فلا شيء يمنع تواجد، في ذات الآن، اللاعقلانية واللامنطق والعبث،مادامت الثنائيات الضدية معطى ثابت لا مندوحة فيه.