شهد دخول الألفية الثالثة طفرة نوعية للتكنولوجيا الحديثة، خاصة مع ظهور الهواتف الذكية وتسارع نمو التطبيقات ومواقع التواصل الإجتماعي وماشابها من تكاثر المنشورات والفيديوهات التي تصدر محتوى يختلف مابين ماهو سطحي رديء وماهو هادف ومفيد رغم وقوع شبه إجماع على انخفاض ومحدودية هذا الأخير سواء من حيث التواجد أو الإنتشار.

ولعل ذلك النقاش المجتمعي الدائر حول مانراه داخل هاته المواقع بشكل يومي من تخبط في الطرح ورداءة المحتوى في أغلب مايقدم هو مايدفع نحو التساؤل عن ماهي أهم الأسباب وراء هذا المشهد القاتم على مواقع التواصل الإجتماعي؟ وما الدوافع خلف ارتفاع المشاهدة للمحتوى السطحي على حساب المحتوى الهادف بشكل عام ؟

تشخيص الداء المستجد :

إنه وبعد أن حطت مواقع التواصل الإجتماعي رحاها على جسد العالم العربي الكبير ؛ طفت على السطح مجموعة من الظواهر الغريبة كالنقاشات الثنائية في مواضيع سطحية أو حوارات غير أخلاقية أو تصوير شرائط فيديو لأفلام قصيرة بعيدة عن مفهوم " السينما" أو الدخول في تقديم محتوى غير مفيد ومقالب بطريقة هزلية مبتذلة...وهي أشكال من التعبير غير السوي في مجملها سواء من حيث الشكل أو المضون من خلال تطفل البعض على مواضيع لايمتلكون فيها ذرة معرفة أو دراسة ومحاولة التطاول على تخصصات ومجالات تحتاج الكثير من الموهبة والبحث والإجتهاد.

فإذا كان يقال "للتفاهة جمهور" ، فإن ذلك لم يأتي من فراغ، فهناك تراجع على مستوى المناهج التعليمية التي أفرزت جيلا من أشباه الأميين، زيادة على تكاثر نوع من الإعلام البديل على مواقع التواصل الإجتماعي الذي يعتمد على تداول كل ماهو سطحي وإعطائه مكانة لايستحقها، فضلا على اتساع رقعة النشر على مواقع التواصل دون تحديد شروط دقيقة لشخصية الناشر ورصيده المعرفي، وكذا تعدد الأسباب المرتبطة بطبيعة التفكير السائد في أيامنا المعتمد بالأساس على تغليب المصلحة المادية على الكسب الفكري المعنوي.

بالمقابل هناك من استطاع تقديم محتوى هادف يتسم بالإحترافية اللازمة وينم عن ملكة وذوق وجمال ورقي ساهم في تحقيق المتعة والمنفعة والإفادة للمتلقي، فشاهدنا إبداعات متنوعة في مجال الكتابة الأدبية والفنية كالرسم التشكيلي والموسيقى... وكذا مجال التصميم وإلقاء الشعر وتقديم المحتوى الثقافي حول مواضيع مختلفة وكذا تجويد القرآن وغيرها من المواهب التي تزرع الأمل وتظهر الوجه الجميل المتسم بجمالية الإبداع والعطاء.

معرفة اللقاح المحتمل :

يمكن القول أن المكون الثقافي داخل أي مجتمع يسعى للتطور والإزدهار هو الكفيل بتكوين مناعة االفرد تجاه كل ماهو سطحي مدمر، فالمعرفة والعلم قوة المرء نحو اكتساب القدرة على تمييز الصواب والخطأ، وبالتالي التفرقة بين التافه والمفيد النافع وعدم التأثر بسرعة وتملك الوعي، فتقوية مجال التعليم بجميع مراحله وإعطاء أهمية للبحث العلمي وفتح آفاق الإبداع بأنواعه... يصنع ذلك الحاجز الذي يحمي المجتمع من أي خلل يمكن أن يتسرب عن طريق شبكات التواصل الإجتماعي، وهو ما يمنع التأثير على شخصية المتلقي باعتباره يتمتع بحماية ذاتية ناتحة عن تسلح معرفي وكأنه ذلك المصل الذي يقاوم أي فيروس يحاول اختراق العقل بالضرورة.

وختاما يبقى صراع المحتوى التافه والمحتوى الجيد مستمرا كصراع الخير والشر منذ تعاقب البشرية، خاصة في ظل انفتاح الفضاء الإلكتروني على مصراعيه لتلقي جميع الأفكار المنتجة وغير النافعة دون أي غربلة أو تقييم...لكن ما ينفع الناس يمكث في الأرض ومايضرهم غالبا يذهب جفاء كالزبد ولو بعد حين.