إما أن تكون أو لا تكون، لا خيار ثالث فقد رفع منذ أن وضع أرسطو الأورغانون الأول بل منذ وجد الوجود. تُرى كيف يمنطق الانسان زواله؟ أنانية هي أم قلة وعي؟ كيف يعقل أن نسير في طريق نعلم أنه مسدود؟ تهورنا ولامبالاتنا ستكلفنا وتكلف خَلَفَنا البؤسَ والشقاء.

هنا والآن ... القرن الحادي والعشرون، زمن المفارقات المُمَوهة بقناع المنطق، زمن الغاب المزركش بألوان الحضارة، عالم كُتب على بابه: البقاء للأصلح ... والكل باقٍ، فهل الكل صالح؟ أم أن الكل سائر للزوال؟

سنة تلو أخرى، تتعاقب الأيام والشهور، يظهر وباء ثم دواء، فلكل وباء دواء، يصنع في منشآت عملاقة، يدخلها النبات والماء فيخرج منها الدخان قبل الدواء. فلا ندري ... أصنعنا الدواء أم الداء؟

شجرة تنقص ثم أخرى، الغابة المتناهية في مواجهة شراهة الانسان اللامتناهية، مِصْفاة هوائنا وفضاء فسحتنا ندمرها بأيدينا وأمام أعيننا، فلماذا نكذب على أنفسنا نحن من نتبجح بالرحمة والحِلم بأننا نحمي الانسان ونصون حقوقه، ونحن غير قادرين على حماية شجرة؟

القرن الثاني والعشرون، طفل بريء القلب، طاهر الروح، لكنه مشوه الخلقة، يسأل أباه لماذا ولدت هكذا؟ ولماذا مات ابن جارنا؟ ولماذا يقولون لنا في المدرسة أن السماء زرقاء؟ لماذا تمنعني أمي من شرب أكثر من كوب ماء؟ لماذا ولماذا ... أسئلة بسيطة تطرحها فطرة نقية في بيئة ملوثة.

طفل يحاكمنا نحن أسلافه ويقول: لماذا جعلتم من عالمي هكذا؟ أليس من حقي أن أستنشق هواءً كهوائكم؟ أليس من حقي أن أعرف معنى "تعاقب الفصول" ومعنى "نسيم الصباح" وشكل الدب القطبي؟ من أنتم ومن نصبكم منصب الحاكم الجبار لتعيشوا زمانكم وحياتكم على حساب زماني وحياتي؟ ما ذنبي لتئدوني في عز حياتي، قتلتموني وقتلتم الإنسانية معكم، لا تعتذروا فلا عذر لكم.

فالخريف لم يعد خريفا، بل صار صيفا وشتاء. وبالمثل قس على الربيع الذي لم يعد رمزا للنقاء، ضاقت مساحة الجليد واتسع المحيط حتى غزا الماء الأرجاء، اختفت مدن بسكانها كأن الطوفان مر عليها، مدن غرقت وأخرى صارت صحراء لم يبقى مبدأ البقاء للأصلح صالحا، فلا أحد يقدر على مواجهة الطبيعة وهي على غير طبيعتها. لا أحد سينجو فلا ملجأ لنا بعد أن دمرنا أرضنا ...حولناها من جنة معطاءة خضراء إلى مقبرة قاحلة سوداء، كأنها قطعة من سعير لا الوحش يقوى على اليسير فيها ولا الطير.