تمرُّ اليوم الذكرى السادسة والعشرين بعد المائة الخامسة لسقوط آخر قلاع الأندلس، والتي كانت في الثاني من شهر يناير عام 1492ميلادي الموافق لسنة 897 هجرية. حيث قام الأمير  الصغير أبو عبد الله محمد بن الأحمر  حاكم غرناطة بتسليم مفاتيحها للملكين فرناند الخامس وإيزابيلا.

فخرج على إثرها آلاف المسلمين من الأندلس باتجاه الشمال الأفريقي واستقروا بمدن عدة، فرارا من واحدة من أسوأ مجازر القتل والذبح والتعذيب في التاريخ، عرفت بمحاكم التفتيش والتي ما تزال بعض متاحف اسبانيا تحتفظ بوسائل تنفيذها.

فَطُوِيَ بذلك فصل من فصول تاريخ الإسلام الثليد في قلب أوربا، حيث استمر الوجود الإسلامي هناك ما يقارب ثمانية قرون، بُنِيت فيها حضارة ومجد لم تعهد لها اوربا مثيلا، فازدهرت الصناعة والتجارة وانتشرت العلوم وبرع الأندلسيون في الفن والزخرفة والزراعة وفن الحدائق وبنوا القصور والقلاع، حتى أصبحت الأندلس جوهرة من جواهر العمارة الإنسانية كما لا تزال بقاياها شواهد على  ذلك إلى  اليوم. 

استغلت اوربا ما وصلت إليه الأندلس  من تطور وتفرد في شتى مناحي الحياة في نهضتها التي أعقبت  سقوط الأندلس مباشرة.

وقد خلّد الشاعر الشهير أبو البقاء الرندي سقوط الأندلس بقصيدته الشهيرة التي قالها فيها:
لكل شيء إذا ما تم نقصان *****فلا يغر بطيب العيش إنسان

أعندكم نبأ من أهل أندلسٍ******فقد سرى بحديثِ القومِ رُكبانُ

وترجع جل المصادر التاريخية أسباب سقوط الأندلس إلى حالة التفكك التي شهدتها بعد سقوط الخلافة الأموية في المشرق، حيث انفصل كل أمير بما يملك فيما عرف فيما بعد ب'ملوك الطوائف'، فتمزقت الأندلس إلى واحد وعشرين دويلة تصارعت فيما بينها على التوسع والتسلط، ولم يتوقف الصراع عند السلطة بل أصبح فيما بعد صراعا وتسابقا على الترف والبذخ ومظاهر الانسلاخ من الهوية الإسلامية المشرقية، فزاد الكيد والعداء فيما بينهم وانتشرت الخيانات، فبدأ عهد السقوط دويلة بعد الأخرى حتى أصبح الاسلام في الأندلس مجرد ذكرى عابرة.

إن الناظر للأندلس وتاريخها لينظر إليها نظرة إكبار من جهة لما وصلت له من سبق في الازدهار  والتقدم العلمي والحضاري، ونظرة اشفاق على موروث اسلامي ثليد ضيّعه من عايشوه بعدما أكبروا في أنفسهم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، فالأندلس في كل مراحلها دروس للمعتبرين:

-ففتحها جاء على يد طارق بن زياد الذي قاد جيشا من العرب والبربر تحت راية الإسلام، في صورة مجسدة لأسمى غايات هذا الدّين وهي نصرة الله ودينه والانصهار في لُحْمة الإسلام قبل عصبية اللسان والعرق.

- أهم معركة في تاريخ الأندلس هي وبدون أدنى شك، معركة الزلاقة التي شهدت بطولات المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين، الذي لبّى نداء الاستغاثة من ملوك الأندلس الذين تفنّن الفونسو السادس في اهانتهم وهم صاغرون. فما كان من ابن عباد حاكم إشبيلية إلا أن قال كلمته الشهيرة بعد أن عارض حكام الإمارات الأخرى عرضه بالاستعانة بالمرابطين بقوله ( لئن ارعى الجمال أهون لي من رعي الخنازير ). فما كان من البرابرة المرابطين إلا أن لبوا نداء النصرة وألحقوا بألفونسوا و محالفيه هزيمة نكراء، وكان لهم الفضل في تأخير سقوط الأندلس بل وقاموا بتوحيدها تحت رايتهم بعدما رأوا من ملوكها تخاذلا وتقاعسا في محاربة المسيحيين والذود عن بلادهم.

- كمسلمين، علينا أن نتيقن أن أي حضارة تقوم على كلمة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) يجب أن تبقى دوما على هذه الكلمة، فلا عز للمسلمين دون الاسلام وكلمة التوحيد، فما سقوط الأندلس الا ببعدهم عن الله و انصرافهم لأمور الدنيا، وما شعارهم في جل عماراتهم (ولا غالب إلا الله) إلا تأكيد على أنّنا لله وإلى الله، لا يصيبنا من خير إلا منه، ومهما وصل بنا الحال والعلم فلا بقاء لنا بغير الأخذ باسباب البقاء والوحدانية لله، ولا خير فينا إذ نعمى في تقليدنا لغير المسلمين في مناحي الحياة، فلا اسلوبنا يتماشى مع أسلوب عيشهم ولا ديننا يرضى ذلك، فديننا كامل مكتمل بذاته لا تنقصه رجعية الرجعيين ولا تزيده حداثة العلمانيين.

- حالنا اليوم وللأسف، يشبه إلى حد كبير حال ملوك الطوائف يومذاك، فنحن مجموعة من الدول المبعثرة يحكمنا مجموعة من الحكام المتخاذلين ومنهم من دأب على العمالة والولاء لمن يحيك لنا الدوائر ويريد بنا شرا. ولا انكشاف لحالنا هذه إلا بالوحدة و محاربة كل ما من شأنه التفرقة بين المسلمين عربا وعجما. وتجاوز كل مخلفات سايكس بيكو واتفاقيات الاستقلال المشروط التي فرضت على كثير من الأقاليم الإسلامية.

سيكون مصيرنا غير مصير الأندلس، يوم نتعالى عن المصالح الشخصية الضيقة و شعارات المواطنة الرعناء والتصنيفات العرقية الشنعاء، ونتفق على كوننا مسلمين ومصيرنا واحد.

هذا....

ولا غالب إلا الله