المطلب الثالث: أثر السيرة النبوية في تنمية قيم العمل

إن رغبة النبي _ صلى الله عليه وسلم_ في العمل وممارسته له كانت واضحة تماما، فرعيه اﻷغنام على قراريط لقريش، ومزوالته التجارة مع خديجة رضي الله عنها، يؤكدان أن هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم يؤصل لنا أن للعمل قيمة كبيرة في حياة اﻷفراد والأمم، وتظهر هذه القيمة من خلال أمرين:

اﻷول: كونه دعوة جاء ذكرها في القرآن الكريم والسنة النبوية، تارة بالدعوة إلى العمل الدنيوي، وتارة إلى اﻷخروي، على أن يكون هذا العمل محتويا على ثلاث خصال: الصلاح، والصواب، والإحسان، فصلاحه بأن يكون خالصا لوجه الله، وصوابه، بأن يكون موافقا للشريعة اﻹسلامية، وإحسانه، بأن يكون عملا متقنا، قال تعالى:(( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)) وفي الحديث عن عايشة رضي الله عنها، (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)) رواه البيهقي.

الثاني: كونه تفرضه الحياة وتعتمد عليه، سواء الحياة الفردية أو الجماعية، وهذا العمل يشمل الدنيا واﻵخرة، فكما أن العمل ضروري لكسب العيش من أجل البقاء، وضروري للنجاح في الامتحان مثلا من أجل الارتقاء في سلم المجتمع، كذلك أيضا، نجده ضروريا للفوز في اﻵخرة، فالذي يزيننا ويطمئن قلوبنا هو عمل منبعث من روح سيرة حبيبنا صلى الله عليه وسلم، تلكم السيرة التي يحثنا صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام بالسعي في اﻷرض، والسير في مناكبها، تماما كما كان يفعل هو وأصحابه، فقد عاشوا على السعي في طلب الرزق، والاستمرار على العمل الصالح حتى آخر لحظةٍ من حياتهم، ومن النصوص النبوية التي تحثُّ على العمل وتدعو له ما روى البخاري في صحيحه، عن المقدام بن معد يكرب الكندي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:(ما أَكَلَ أَحَدٌ طعامًا قطُّ، خيرًا من أن يأكلَ من عملِ يدِه، وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ عليهِ السلامُ كان يأكلُ من عملِ يدِه). رواه البخاري

فالحديث صريحٌ في تفضيل العمل واستحبابه، وأن يأكل المسلم من عمل يده، وأنّ ذلك خيرٌ له من الأكل الذي يحصل عليه من سؤال الناس واستعطافهم.

وداود عليه السلام كان ذا ملك ومال، فهو مع ملكه وماله كان لا يأكل إلا من عمل يده، وهذا أثر عظيم من أثر السيرة على قيمة أكل اﻹنسان من يده.

ومن خلال هذا الحديث نستخلص العبر والفوائد التالية:

1_ أن الذي يعلم الناس العلم أيا كان نوع هذا العلم وباﻷخص العلم الشرعي، ويأكل من عمل يده خير وأفضل من ذاك الذي يعلمهم بمقابل، ومن هؤلاء كثير، منهم مثلا الشيخ الألباني، رحمه الله، الذي كان يشتغل بتصليح الساعات، وهو مشتغل بالعلم كتابة ومطالعة وتحقيقا... وعلى كل حال، فمهما استطاع اﻹنسان أن يستغني وأن يأكل من عمل يده فذاك جميل وأفضل.

2_ وفي الحديث قاعدة جليلة واضحة، وهي ما بلي به شبابنا في عصرنا الحاضر، إذ أنهم أضحوا يأنفون المصانع ويكرهونها، وأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، منهم من كان حدادا، ومنهم من كان نجارا...

ويقول تعالى عن نبيه داود عليه السلام: (( يادود إنا جعلناك خليفة في الارض)) لم يقل له، ثم نحن نرزقك، ونبطش بعدك، كلا بل قال له آمرا إياه، فاحكم بين الناس بالحق، وقال له أيضا: أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا.

ومن القيم المستمدة من سيرته صلى الله عليه وسلم:

_ جهاد الكسب، وهو العمل الذي يقوم به الفرد لكسب الرزق وطلب الحلال بعرق جيبنه، وفي هذا الصدد يقول الحافظ ابن القيم رحمه: إن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى، وشراؤه أكثر، وآجر واستأجر، واستئجاره أكثر، وضارب وشارك، ووكل وتوكل، وتوكله أكثر، وأهدى وأهدي إليه، ووهب واستوهب، واستدان واستعار، وضمن عاما وخاصا، ووقف وشفع، فقبل تارة ورد أخرى، فلم يغضب ولا عتب، وحلف واستحلف، ومضى في يمينه عدة، وكفر أخرى، ومازح... ولم يقل إلا خيرا، وهو اﻷسوة والقدوة.

يتبع...