عرفت الدولة المغربية في بداية العقد الأول من القرن العشرين إضطرابات داخلية وتهديدات خارجية لم يستطع المولى عبد العزيز ولا المولى عبد الحفيظ أن يصمد أمامها لتجد الدولة نفسها في النهاية مكرهة على الرضوخ لوضع الحماية سنة 1912.

العوامل الداخلية لفرض الحماية

بعد إمساكه بزمام الأمور، ذهب المولى عبد العزيز إلى القيام بمجموعة من الإصلاحات، غير أن محاولة إصلاح نظام الجباية بإحياء مشروع الترتيب لقيت معارضة عنيفة من ذوي الإمتيازات، لتتضافر عدة مصالح لإفشاء عملية الترتيب حيث كثرت الإنتقادات ضد المخزن متهمة السلطان بالتخلي عن الزكاة والأعشار وبتعويضها بضريبة مبتدعة لينقلب مشروع الإصلاح الجبائي إلى عكس ما كان يقصد إليه من إنصاف واستقرار وإنعاش لبيت المال وأفضى ذلك إلى توقف الجبايات وانتشار الفتن[1] واضطر المغرب إلى الإقتراض من الدول الأوروبية خاصة فرنسا.

ورغم اشتداد الفتنة إستمر السلطان في صرف الأموال في اقتناء المصنوعات الأوروبية الحديثة وأداء أجور بعض الوكلاء التجاريين الأجانب، وشاعت أخبار حول عجز المخزن عن ردع النصارى الذين احتلوا بعض التخوم المغربية بل وعلى تواطؤ السلطان معهم.

وفي هذا السياق ظهرت الحركة المعروفة " بوحمارة " بشرق المغرب سنة 1902، بزعامة الجيلالي الزرهوني الذي استغل ما يشاع عن ميل السلطان ومخزنه نحو النصارى، فبويع بمدينة تازة وشكل جهازا مخزنيا خاصا به واستطاع هزم الجيش السلطاني وأصبح يهدد بالزحف على مدينة فاس، وبالموازاة مع ذلك ظهرت إضطرابات لا تقل خطورة عن سابقتها بالشمال الغربي للملكة كان وراءها أحمد الريسوني الذي خرج عن طاعة المخزن وعمد إلى اختطاف الأجانب والإحتفاظ بهم كرهائن يحررها مقابل فدية[2].

أدى كل ذلك إلى تدهور بنيات المجتمع وهياكله المخزنية والتي أصبحت عاجزة عن الوقوف في وجه الحد الأوروبي، وخلقت مصادقة المولى عبد العزيز على ميثاق الجزيرة الخضراء[3] سنة 1906 مظاهر من الغضب مما أدى بالمغاربة إلى إعلان الجهاد ومبايعة المولى عبد الحفيظ كسلطان للجهاد، غير أن رغبة هذا الأخير في التحرير والحفاظ على استقلال المغرب اصطدمت بمخططات الدول الإستعمارية، فاضطر إلى التفاوض الذي انتهى إلى رضوخه للإملاءات الفرنسية سنة 1908، بغية الحصول على الإعتراف به سلطانا شرعيا من قبل الدول الموقعة على ميثاق الجزيرة[4].

العوامل الخارجية لفرض الحماية

شكلت التحرشات الفرنسية على الحدود الشرقية للمغرب تهديدا مستمرا لاستقلاله ومسّا بسيادة السلطان على أراضيه، وفي أواخر سنة 1900 تمكنت فرنسا من بسط سيطرتها على الواحات المغربية الجنوبية - الشرقية (توات، تيديكلت، كوارة)، كما تمكنت في سنتي 1901 و1902 من توقيع 3 اتفاقيات مع المغرب تتضمن الإعتراف عمليا بضم هذه الواحات المستعمرة الفرنسية لتحصل بذلك على ورقة دبلوماسية رابحة منها دولة جارة ولها مصلحة خاصة في المغرب.

ومن جهة أخرى حسمت فرنسا التنافس الإستعماري الأوروبي حول المغرب وذلك عبر اتفاقيات ثنائية مكنتها من الإنفراد به، حيث تنازلت لإيطاليا عن ليبيا مقابل المغرب (30 يونيو و3 نونبر 1902) كما تنازلت لبريطانيا عن مصر في 8 أبريل 1904 بعد التوصل إلى اتفاق ودي بينهما، أما إسبانيا فقد انضمت هي الأخرى إلى الإتفاق الودي حيث تفاهمت مع فرنسا وتم الإعتراف لها بالنفوذ في شمال المغرب بتاريخ 17 أكتوبر 1904[5].

وفي 7 يناير 1906تم عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي أسفر عن الإعلان عن ميثاق الجزيرة الخضراء والذي حصلت بموجبه فرنسا على امتيازات متعددة في المغرب وفي سنة 1907 احتلت فرنسا مدينة وجدة ثم الدار البيضاء ثم منطقة الشاوية وبتاريخ 9 يونيو 1911 احتلت إسبانيا العرائش ثم في 12 يونيو احتلت القصر الكبير ثم أصيلة وسيدي إفني[6].

في سنة 1911 قامت ألمانيا بقصف مدينة أكادير بدعوى حماية مصالحها في سياق ماعرف بأزمة أكادير، وعلى إثرها دخل الفرنسيون والألمان في مفاوضات أثارت مخاوف السلطان من أن تكون على حساب المغرب فبادر إلى تقديم مذكرة من المطالب في خريف 1911 ضمنها الشروط التي يشترطها في أي تفاوض مع فرنسا ومنها احترام شخص السلطان وحفظ امتيازاته، وبعد أن سوت فرنسا خلافها رسميا مع ألمانيا بموجب اتفاقية 4 نونبر 1911 طلبت من السلطات المصادقة على الفصل الثالث منها والذي يقضي بقبول المغرب تكليف الهيأة الدبلوماسية الفرنسية برعاية مصالح المغاربة بالخارج، فاشترط السلطان أن توافق فرنسا على مذكرات مقابل ذلك، فاستجابت له فرنسا لتجري بعد ذلك المفاوضات النهائية التي أفضت إلى توقيع عقد الحماية[7]


[1] - منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب " موجز تاريخ المغرب " إشراف وتقديم محمد القبلي.

[2] - منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب " " تاريخ المغرب تحيين وتركيب إشراف وتقديم محمد القبلي.

[3] - ميثاق الجزيرة الخضراء: هو الميثاق الذي خرج به مؤتمر الدولي بالجزيرة الخضراء الذي حضرته الدول التي لها مصالح بالمغرب وهي (فرنسا إسبانيا. و.م.أ، إيطاليا، ألمانيا، النمسا، هولندا، البرتغال، روسيا والسويد) وتضمن الميثاق سبعة أبواب، كانت جميع فصوله ذات طبيعة مالية واقتصادية ساعدا الفصل الأول الذي خصص للمحافظة على أمن السكان الأروبيين ونص هذا الميثاق سيادة المغرب ووحدته الترابية واستقلاله شكلا.

[4] - منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب.

[5] - منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب.

[6] - bernard lugan, « historire du maroc » des origines à nos jours, elipses edition marketing .S.A. 2011, pages. 231-241.

[7] - منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب.