كنت الفتي المدلل و الوحيد بين اسرتي الصغيرة حتي الصف الأول الثانوي حيث جاء نور ، أنه الفتي الذي بسببه سألتحق بالخدمة العسكرية وأذوق مرارته كما يقولون ، الأمر لم يكن يجول في خاطري كثيرا فلا يزال الوقت باكرا ،

كنت سعيدا بقدوم نور الطفل الجميل ذو الخدين المنتفخين والعيون الزرقاء اللامعة ، كان نور يكبر بسرعة لكنني انشغلت عنه قليلا عند دخول المرحلة الثانوية ، لقد كانت أياما عصيبة تمر علي طالبٍ كسول مثلى لا أخفيكم سرًا كنت قد بدأت تلك الفترة باجتهاد كثير حتي أقبلت الفترة الأخيرة قبل الاختبارات النهائيه وكانت فترةَ فترةٍ لي ، لقد سمئت من الدراسة والقيت اللوم على أيام الجد أول العام زاعمًا أنها من أصابتني بالفتور ،

لكن مع بعض الغش خلال الاختبارات حصلت علي مجموع ٩٠ في المائة لكنه ليس المجموع الذي يؤهلني لدخول كلية الطب البشري التي كان أبي يرجو أن أدرس بها ...

لكن ابي كان يعمل بالتأمينات فكان الحال ميسورا بسبب هدايا العملاء ( كما يسميها )مما ساعده علي دفع تكاليف كلية خاصة ،

انتهت فتره الثانويه وانتبهت أن نور صار يمشي علي قدميه جيدا ، ياله من ملاك وديع يسير علي الارض ، لكنه كان مزعجا جدا اذا تاقت نفسه فعل شيء لم يهدأ ضجيجه حتي يفعله ،

لقد كان جميلاً ان استيقظ كل صباح فاجده جالسا علي صدري ويداعب وجهي بيديه الناعمتين وحينما افتح عينايا تصدر تلك الضحكة الطفولية الممزوجه بالصراخ المنغم كنت اسمعها زقزقة عصفور صغير يغرد صباحا

،

حان الوقت لاودع نور سأذهب الي كلية الطب الخاصة التي تقع بمحافظة أخري وأرجع كل شهر لكي أطمئن علي أبي وأمي ونور ،

ومع اول اجازه رجعت ولاحظت أن شمعة بيتنا تلك تكبر صار نور يمشي ويتهته بكلمات غير مفهومة ، كان يحب مشاهده الرسوم المتحركة بينما كنت انا متابع شَرِهًا لرياضة كرة القدم ، اذكر ذات يوم اني وضعت جهاز التحكم فوق مكان مرتفع حتي لايصل إليه نور بينما اشاهد المبارة ،

ياالله لقد مضت ساعتان ونور يحاول جاهداً أن يصل الي جهاز التحكم لكي يشاهد رسومه المتحركة فاشفقت عليه وتركته يشاهدها .. لقد كان صغيري نور صاحب إرادة غريبه لا يهدأ باله الا عندما ينال ما يريد ...

وتمر الايام وإذ بامي ذات يوم تقلق مضجعي في منتصف الليل بينما كنت نائما في السكن الجامعي فأجبت متعجبا ماذا هناك لتوقظيني الان ..... فيقطع صوت تزمري صوتها الخائف نحن الآن في المشفي القريب منك لأن نور مريض ،

لحقت بيهم وبينما أنا هناك وجدت علامات عبس علي وجه الطبيب ثم أخبرته انني في كلية الطب .

جمعني وعائلتي واخبرنا أن نور مصاب بسرطان المخ ... وقعت كلمات الطبيب كالسيف في قلوبنا جميعا لكن بعد قليل من الصدمة واتخاذ إجراءات العلاج اللازمه تذكرت أننا ندرس أنه في كلية الطب إنه إن كان مريض السرطان له إرادة قوية سيستطيع أن يتغلب علي مرضه .

أطمئن قلبي قليلا. انا اعرف نور باصراره ا منذ نعومة أظفاره . وتمر فترات العلاج وأتابع نور في المشفي اصبحت وكأني هناك اتابع زمنا سالبا .....

إلي أن سمعت الخبر المبكي لقت مات نور.

لم يستطع نور أن يقاوم السرطان كما توقعت . لقد نسيت أنه كان صغيرا عندما كان يتحلي بإرادة عند محاولاته وهو يحاول الحصول على جهاز التحكم طوال ساعتين .. لقد انشغلت عنه حتي صار ابن سبع سنين وأصابه المرض.

أن نور ضعفت همته عندما شاهدنا جميعا نتنازل أمام عينه ...عندما شاهدني تضعف إرادتي عن رغبتي بتحقيق مرادي وقت الثانوية . عندما شاهد ابي يتنزل عن مبادئة حتي يحصل علي رشوة لكي يسدد مصاريف دراستي . حسنا لقد تعلم نور منا الضعف وفقدان الأمل حتي تغلب عليه سرطان المخ ....

ربما لو بقي علي فطرته لاستطلاع أن يقاوم.....

لم تلك النهاية سعيدة لأن القصه حقيقة رمزيه نعيشها الآن

حسنا ربما نور ليس فردا واحدا في ذلك المجتمع ربما هو جيل جديد نشأ بيننا .

وربما انا وابي وغيرنا ذلك الجيل المتاخذل الذي راءه نور بعينه وتعلم منه الجيل القادم الضعف والخور .

ربما كان سرطان المخ هو تلك الأفعال المخذية والأفكار الشاذه التي تصيب الجيل القادم حتي تؤدي إلي موت البراءة فينا ...

ختاماً : لقد ولدنا انقياء النفس أقوياء الإرادة لكن الدنيا سلبت منا الكثير من الصفات الحميدة .