ليست تلك الأرض التي التقيتُها لأولِ مرة ولا تلك السماء التي عانقتها ولا ذلك البيت الذي ترعرت فيه، إذن أين أنا؟ سرتُ في زقاقٍ ضيقٍ أبيضَ اللون تحدُّه خشباتٌ ملونة عن يمين وشمال إنْ مددتُ يداي تلتصقان بالحائطِ من الجهتين، تعلوهُ سماءٌ زرقاء ونسائم عليلة تحوم في المكان، لا أعلم حتى الآن أين أنا، يبدو أنَّ عليّ أنْ أكملَ المسيرَ علّني أجدُ ما يشفي فضولي.

تجاوزتُ ذلك الحائط الأبيض الضيق واذا بي ألتقي بعالمٍ أزرق فسيحٍ مزدحمٍ بالغرباء مختلفي الأشكال والأفعال، يتدافعونَ في أماكنَ محددةٍ كأنهم جرادٌ منتشر، حتى اذا سُمِح لهم بالدخولِ وقفوا صامدين كمن التصقَ بحائط، كلٌّ منهم يتقنُ عملَهُ ويعلم أين يقف. منهمُ المضيء ومنهم المعتم، منهم الثري ومنهم الفقير، بعضهم يكتسي بالجدية والبعضُ الآخر بالمرحِ والهزل. كُتِبَت على أجسادِهم كلماتٌ تختلفُ من كائنٌ لآخر إما كلمة منشور أو انشر، لقد كانوا يحدقون بالزائرين باستغراب فأشكالُنا مختلفة تماماً عن كائنات عالمهم.

وفجأةً وأنا أتأملُ المكانَ وإذا بكائناتٍ دائريةٍ تحوم حولي وتقفز هنا وهناك، شعرتُ لأولِ وهلةٍ أن ثَمَّةَ خطبٍ ما حتى تكلم أحدهم مرحِباً: "أهلاً بك في عالمنا الأزرق" فشعرت ببعض الارتياح، ووجدتُها فرصةً للسؤالِ عن غرابةِ ذلك العالم وتفاصيله: "ما هذا المكان؟"
فأجابني: "إنه عالمنا الأزرق، فيه نحيا ونعمل وفي أي وقت نحن في خدمة كائنات لا نعرفها، كيف أستطيع أن أخدمك؟ ". فسألته: "ما طبيعةُ عملِكم؟" فأجابَ: "تأتينا أوامرٌ من الكائناتِ المجهولةِ حسب أصدقائنا المنشورات فيقع الاختيار على واحد منا".

عندها تذكرت أن هناك على الأرضِ ما يسمى بالإنترنت المليء بمواقع التواصل والتي منها ذلك العالم الأزرق الذي نسميه الفيس بوك. هل يُعقلُ أن يكونَ هو المقصود؟ وددت أن أتأكدَ فبادرته بسؤال: "هل هذا ما يسمى الفيس بوك؟" فعرضَ عليَّ أن نجلسَ جميعاً على طاولةِ الذكرياتِ فهناك سوف نرى الكثيرَ من الذكرياتِ الجميلة، وكان عرضاً مغرياً، فجلسَ الجميع على طاولة مستديرة نستطيع من خلالها رؤية ذكرياتنا قبل سنوات في ذلك العالمِ الأزرق، ثم أخذ يتذكر سؤالي وما كان مني إلا أن أعدت السؤال
فأجاب قائلاً:" إنهم يسموننا فيس بوك لكننا نكتفي بمسمى (العالم الأزرق) ".
عندها تأكدت أين أنا، إنني في عالم الفيس بوك حيث المنشورات والرموز والرسائل والفيديوهات والصور. إنه العالمُ المزدحمُ فالكلُّ هناك مشغولٌ بتأديةِ ما عليه وبتنفيذِ أوامر من أسماهم صديقي (كائنات لا يعرفها) وهي الإنسان. وبعد هذا الاستغراق في التفكير سألته من يكون؟ فأجابني وعلاماتُ التعجبِ على وجهه وكأنه يقول ألم تعرفني بعد؟ فقلت له: "سامحني يا صديقي لم استطعْ التعرفَ عليك".
حسناً أنا رمز الإعجاب وهذا صديقي رمز القلب وأظنك تعلم هذا الرمز وأشار إلى صديق ثالث.
فقلت له:" رمز الضحك وذاك رمز الدهشة أما هذا فرمز الحزن والأخير فهو رمز الغضب "
تهلّلَ صديقي فقد استطعتُ أن أتذكرهم جميعاً. وبادرتهم بسؤال حيرني:" بماذا تشعرون عندما يتم الضغط عليكم؟ "
تسابق الجميع للإجابة على ذاك السؤال ولكن رمز الإعجاب اقترح أن يجيبَ الجميعُ حسب ترتيبهم في العالم الأزرق وقد نال اقتراحه استحساناً.
أما رمزُ الإعجاب فقال: "إنني أشعر بالسعادةِ غالباً لتأدية عملي ولكن في بعض الأحيان أشعرُ وكأنه تم الضغط علي بالخطأ، فليس كل ما يُنشر مَحِلاً للإعجاب". وبنبرةٍ حزينةٍ أردفَ قائلاً: "إنهم يظلمونني أحياناً". بدت على وجهه ملامح الحزن فواسيته قائلاً: "لا عليك يا صديقي فكل البشر هكذا". لقد كان محظوظاً لأنني لم أدخلْ في تفاصيلَ أكثر. ثم قال:" أتمنى لو أحسن أولئك الكائنات استخدامي، فهم يستطيعون ألا يجاملوا الآخرين عن طريقي".
فقلت له: "أعدك أن أوصل لعالمي مشاعرك ورغباتك فأنت على حق"

أمّا رمزُ القلبِ فقد دخل القلبَ منذ أن رأيته، فلونُه الأحمرُ الجميل وشكله الأنيق وفوق ذلك كان يزيد نفسه جمالاً بلباس رائع يوحي بالسعادةِ والانشراحِ، فطلبتُ منه أن يعرفنا على نفسه.
أنا من ينشرُ الحبَّ في كلِّ مكان، مجرد أن يضغطَ علي أحدهم أقوم بدوري وأربط قلوب الأصدقاء معاً
فقلت له: "نحتاج لمثلك دائما ليبدوَ عالمنا أجمل"
بعد أن انتهى صديقُنا من كلامه التفتُّ إلى الكائنِ الضاحك وإذا به يضحك ملءَ فِيْه فسألته: "ما الذي يضحكك يا صديقي؟ "
فأجاب:" عالمُنَا الأزرق مليءٌ بالنكاتِ والترفيه وأنا أظن أنني أكثرهم استخداماً". فضحك ضحكة مدوية. وفي خاطري رددتُ" معك حق". ثم أكمل:"أن الضحك يملأ المكان بهجة كثرت ضحكاتهم حتى ظننت أنهم لا يحزنون".
فقلت في نفسي: آه لو تعلم كم يتملكنا الحزن!

وماذا عنك يا صديقي المندهش؟
أجاب والدهشةُ تملأُ عينيه: "لا شيءَ يُدهش تلك الكائنات، لقد قلَّ استخدامي حتى كاد أن يتلاشى، أخبارهم مكررة، اعتادت أعينهم على رؤية الأحداث فما عاد للدهشة مكان"
رغم أنه قال الصواب إلا أنني تصنعتُ الدهشةَ من كلامه عله يحيدُ عن رأيه.

والآن جاءَ دورُ صديقِنا الحزين صاحبِ الدمعةِ على وجنته، احترتُ كيف أبدأ معه فقد تملكه الحزن، فإذا به يتكلم وقد خرج من صمته وحزنه :" لقد جثم الحزن على صدري وباتت دموعي قريبة فعالمكم حزين ويستخدمني بكثرة، تمر علي ليالٍ لا أجد فيها طعمَ الراحة إنهم يستخدمونني كثيراً"

تذكرتُ في تلك اللحظات الأحزانَ الكثيرةَ التي مرَّ بها عالمنا فما كان مني إلا أن ربَّتُّ على رمزِ الحزنِ وقلت له: "أتفهّمُ حزنَك يا صديقي، لا عليك، فلعلَّ الأيام القادمة أفضل فلا تفقد الأمل"

وجاء دور الرمزِ الغاضب، لقد لمحتُ في وجهِهِ صعوبةَ أن يتحاورَ فقد انتفختْ أوداجُه غضباً واحمرتْ عيناه حنقاً وكأنه قرأ تعابير وجهي فتكلمَ دون أن أسألَه: "إنّهم يستخدمونني كثيرا للتعبيرِ عن غضبهم، كم هي غاضبة تلك الكائنات! إنها تتعاركُ كثيراً وفي بعض الأحيان لا يتقبلون بعضهم البعض".
ما كان مني إلا أن قلت له: “صدقت يا صديقي فضغوطات الحياة في عالمنا هي التي شكلت تلك الفئة الغاضبة"

نظرتُ في أعينهم نظرة تأملٍ وتذكرتُ الكثيرَ من الأحداثِ
المتواليةِ وكيف كان لأصدقائي الرموز دوراً في التعبيرِ عن مشاعرِنا ومبادئنا واختلافاتنا، إنهم يشاركوننا ليلَ نهار صفحاتنا وكأنهم أساس. لا نستطيعُ أن نمرَّ مرورَ الكرامِ عن المنشورات، لابد من ضغطِ أيٍّ منها إن لم يكن للتعبير عما بدواخلنا فلإعطاء إشعار بأننا قد مررنا من هنا. إنه عالم آخر يعيش فينا ونعيش فيه.
إنها حقاً مجرد رموز لكنها تحكمت في علاقاتنا الاجتماعية، فعدم الإعجاب قد يقطع علاقة وضغط رمز الغضب قد يثير حفيظةَ البعضِ والضحك على المنشورات الجدية قد تحرج آخرين، إنهم يعملون وأدوارهم مهمة في حياة البشر.
ولكن لا نستطيع أن نخفيَ أننا من فرضَ وجودهم في حيواتنا ومنحهم الضوءَ الأخضر للتحكم فينا.
شعرتُ بألفةٍ مع أصدقائي الجدد وددتُ لو أني أستطيع البقاء ولكن أزفَ وقتُ الرحيلِ وسلمت عليهم رمزاً رمزاً وودعتهم على أمل اللقاء بهم في صفحتي الشخصية عند ملامسة أقدامي لعالمنا الرائع.