البحث عن حكمة الاشياء هي مهنة الفلاسفة والحكماء والعلماء وكذلك العُباد والصالحين .
ولا عجب أن تجد حكيما أو عالما يضرب المسافات ويقطع الأرض كي يصل إلى آفاق معرفيه جديدة، تضيء جزءا من ظلام عقله ، أو تقربه أكثر من معرفة الحقيقة.
من هؤلاء العلماء : العابد الزاهد( إبراهيم بن أدهم).. كان رجلا عارفا بالله ، باحثا عن الحقيقة ، متواضعا امام ما يرى ويشاهد ، متأملا في صفحة الحياة وأوجه البشر وأحوالهم عله يجد مايقربه من النور .
لذا شغل باله كثير أمر ذلك الراهب الذي سمع بخبر سكنه في صومعة لا يغادرها أبدا ، و يحج الناس إليه شهرا في السنة ،فيذبحون على عتبة محرابها الاضاحي، ويسألونه أن يشفي المريض وييسر الحال ويغفر للمخطئ ، ويهدي الحائر !!
وكان مما أدهش إبن أدهم أن الراهب لم يغادر صومعته منذ سنين وهو قابع فيها لا يتركها أبدا .
فذهب إليه ابن أدهم قاطعا المسافات الطوال كي يرى شأنه ويدعوه الى دين الصلاح والهداية، فوصل الى هناك في نفس الشهر الذي خُصص لدخول الناس عليه، فرأى زحاما شديدا ،لكنه رغم ذلك دخل الى ان وصل الى الراهب، وجلس يشاهد ويتأمل الهيبة التي يحيطه اتباعه بها ،والمكانة العالية التي يتمتع بها والتي تجعله يأمر فيطاع و يقول فيسمع منه.
و عندما جلس إليه إبراهيم بن أدهم عرفه بنفسه ،سأله أول ما سأله عن مدة مكوثه في هذه الصومع، فأجاب الراهب انه قابع في صومعته منذ ثلاثين سنة لم يخرج منها!!
فسأله ابن ادهم متعجبا من أمره :وما الذي يحملك على هذا ؟؟
فابتسم الراهب واقترب من ابن ادهم وقال له: انظر لمرأى هؤلاء البشر الذين يحجون حولي، انهم لا ياتون الا مره واحده في العام فأصبح بالنسبه لهم الغاية العظمى والمطلب الاهم ومن أجل هذا الشهر أتحمل وحدة العام كله، بل من اجل أشهر معدودات في العمر، اتحمل تعب الدهر !!
توقف ابن ادهم امام كلمات الرجل وهو في ذهول من امره و سأل نفسه متعجبا ،هذا الذي في الظلال يصبر على ضلاله شهورا وشهورا كي ينعم لأيام معدودات، يتحمل الوحده وآلامها من اجل عز يناله، وفخر يشعر به، فما بال أصحاب الدعوات والمبادئ والقيم السليمة الصحيحة، يتعبون ويتكاسلون،وينهلكون ويملئون الدنيا صراخا وعويلا وشكوى !
ما بالصالحين والصفوة من الامة يفتقرون - وهم يملكون الحق- أن يصبرو قليلا على ضرائب ،الحق وثمن الكفاح .
كيف لمن ا
أدرك أن الجنة في آخر المضمار ،أن يتكاسل ، ويقف في بلادة ليملأ كأس شهواته وملذاته حتى الثمالة، فيسقط دون خط النهاية فتضيع منه الجائزة الحقيقية، والعز، والرفعة التي لا تضاهيها رفعة.
إننا وبالرغم من كوننا كثيرا ما نتفاخر بقدرتنا الفذة على حساب الاشياء بشكل صائب صحيح ،ونبرهن على ذكائنا بالمكاسب التي حققناها والاستراتيجيات التي انتهجناها من اجل تحقيق المكاسب والفوز، فإن معظمنا بشكل عجيب، لا يستطيع رؤية أهم معادلات الحياة واكثرها وضوحا ،هي معادلة أن الحياة الدنيا هي الفانية الذاهبة ،والآخرة هي الباقية الخالدة .
نعم كلنا نؤمن أن هناك بعثا ونسورا، و ثواب أو عقابا، و ميزانا وصراطا وجنة ونارا، ولكن معظمنا للأسف لا ينتهج مخططات عملية تبرهن على استيعابه لتلك المعادلة!
إن ما وعاه ابن ادهم من الراهب، ونقله لنا ان صومعة الشرف والكرامة والضمير أولى من أن يلتزمها اصحاب الدعوات فلا يبرحونها قط .
وأن الصبر على مغريات الحياة وشطحاتها هو السبيل الأول والأوحد للوصول الى نقطة السعادة الحقيقية... والابدية.

والخلاصة أن عز الدارين مرهون بذل ساعات على باب الخالق.