ربما يعتبر الإكتئاب " dépression " ، من أكثر الأمراض " les maladies " إنتشارا بعد " الثورة الإبستيمولوجية " ، " la révolution épistémologique " ، و إنهيار الإتحاد السوفياتي " l'Union soviétique " . و بروز الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر قوة في العالم . و تقسيم الدول مع تغيير الخريطة الجغراسياسية " géopolitique " . و إمضاء " معاهدات " ، " traités " دولية تحفظ قوة الدول العظمى . و إنتشار أمراض ، و فيروسات " virus " جديدة مثل ؛ " إنفلونزا الخنازير ، الطيور " . و فقدان المناعة ، و تغير المناخ " climat " العالمي للأرض ، بسبب إتساع " ثقب الأوزون " ، " le trou d'ozone " ، و ظهور أورام " tumeurs " جديدة ، و إنتشار " داء السرطان " ، " cancer " , " إلتهاب الكبد " " hépatite " ،  " السكتات القلبية " " crise cardiaque " ، " الجلطات الدماغية " . و بروز مذاهب فلسفية ، دينية ، أدبية ، جديدة تدعوا إلى التشاؤم " pessimisme " ، و إزدراء العالم ، و الوجود  " l'existence " . و التوجه نحو قتل " مفهوم السعادة " ، بل الإقرار بعدمية وجودها ، و شحن العقل البشري بالمقولات التي تدعي بأننا ننتمي إلى " أقبح العوالم " ، و إمكانية العيش المريح لا توجد إلا في العوالم الأخرى . و إعلان نيتشه " موت الإلاه " ، و ماركس " الدين أفيون الشعوب " ، و إكتشاف فرويد " اللاوعي " ، " l'inconscient " ، و أينشتاين " النسبية " ، " relativité " ، و اختراع الهواتف الذكية ، الحواسيب ، الروبوت الذي يتميز بقدرة فائقة  في القيام بالمهمات الإنسانية الصعبة ، و مرونتها لحل أعوص المسائل " الفيزيائية " " phisyque " ، أو الرياضية بذكاء خارق فريد من نوعه . و " إستنساخ " ، " clone " الجينات ، و تنصيب " أقمار صناعية " " sattelites " ، تحوم فوق إنسانيتنا المفقودة . و " الإكتئاب " هو " حالة نفسية " مستفزة لرغبتنا الملحة " للحياة " ،  و هو شعور ركيك يهدر ملكة التفكير ، و يثقل الجسد ب " القلق " " l'anxiété " ، و الشعور بالفراغ ، " الألم المزمن " " douleur chronique " . و النفور من جميع مقومات الحياة ، إذ لا يمكن إقامة أي علاقة مع " مكتئب " " déprimé " . فالمكتئب لا يتوجه نحو " الآخر " " l'autre " ، بقدر ما يتوجه نحو " الإنعزال " " l'isolement " ، و الإنعزال هو إعلان ضمني بأننا لا ننتمي إلى أي أفق إنساني ، بل لا ننتمي إلى أي " مجموعة " " groupe " روحية إيتيقية تفصل بين اليومي لديها و مشروع " الإنسان بإعتباره مهمة " ، فالمكتئب لا ينتمي إلى " عالم " " monde " " اليومي " ، بل لا ينخرط في " اليومي " ، حيث توجد علاقة ترنسدنتالية بين " المكتئب " و " اليومي " . ف " المكتئب " يقيم في حدود " ذاته " ، أي أنه ينصب جدرانا لامرئية تجاه " الآخر " رافضا أي   " علاقة " مع " الآخر " ف " الآخر " بالنسبة " للمكتئب " مزعج إلى حد الجنون . " المكتئب " هو الرافض ل" نسق " " système " ، ما يقيم على حدوده " الهووية " ، بمعنى الرافض لفكرة " التواجد " مع " الغير " من دون أي مبررات " قبلية " " priori " أي " قبل التواجد في كون " . بمعنى أنه متمرد على جميع المفاهيم السائدة ، لذا فإنه لا يستطيع إقامة علاقة مع " الغير " إلا عرضيا ، أي إلا وفقا لمبدىء " الطلب " " demande " ، و " الإستجابة " ، بمعنى علاقة " حريف " ب " عامل " ما في أي مجال إقتصادي أو إجتماعي إلخ .. بهذا المعنى فهو يقيم " علاقة " خارج الأطر " الإيتيقية " بمعنى خارج أطر " الرفاقة " ، ف" المكتئب " لا يتواجد مع " النحن " " nous " ، أو " المجموعة " ، فهو لا يظهر في رفقة أحد ، بل إنه يظهر في رفقة نفسه فقط ، لذا فإنه يتقوقع حول ماهيته ، مستمدا وجوده من " ذاته " . " المكتئب " هو ناقوس إنذار ينذر " المجموعة " بخطر ما . بيد أن " المجموعة " لا تتعامل مع " المكتئب " إلا بأخلاقيات " الشفقة " " la compassion " ، و كل شفقة هي نذر تشاؤم . و فتات أمل عقيم .  و " المجموعة " هي ثقب أسود " trou noir " تمتص " الغير " ، و تحوله إلى " اللاشيء " ، " المجموعة " هي " بمثابة " تكتل بشري " و كل " تكتل بشري " هو تكتل هووي عقائدي حارس للهوية . أي تكتل يدين " الفرد " " l'individu " المتمرد على جل مقومات " السائد " أو " المألوف " . فالمكتئب لا يخرج إلا من " ثقب المجموعة " أي " الثقب الأسود " ، فنحن اليوم ننتمي إلى " المجموعة " التي لا تمتلك أي مشروع " إيتيقي " لذا بات من المعتاد أن ينخرط " الفرد " في " المجموعة " و ينفصل عنها جراء إصابته بالإكتئاب ، أي جراء إمتصاص " المجموعة " ل"طاقته الحيوية " ،لذا فكل علاقة مع " المجموعة " هي علاقة خطيرة على مستوى الأفق الجديد الذي نسعى إلى الإنتماء إليه . 

" نحن " اليوم ننتمي إلى " عصر الصيدلية " ، أي عصر " الطبيب " و " الوصفة الطبية " ، بمعنى " المريض " ، و " الطبيب " بإعتباره مشخص " المرض " و " كاتب الوصفة " ، و كل زائر ل " طبيب " أي الطبيب النفسي ، هو " مريض " بالقوة ، بمعنى لا يمكن أن يخرج " الزائر " من " العيادة " إلا و في حوزته " وصفة نفسية " كانت أم مادية ، و موعد جديد مع " الطبيب " ، و كل " طبيب " يسبر في أغوار النفس هو بمثابة شيطان يلعب بالنرد ، حيث لا يمكن للطبيب النفسي أن يعالج " المريض " لذا يقول نيتشه في كتابه " هكذا تكلم زرادشت " ما يلي " عن نفسك , أيها الطبيب , لتتمكن من إعانة مريضك .. إن خير ما تبذله من معونة لهذا المريض هو أن يرى بعينه أنك قادر على شفاء نفسك " ، أي لا يجب الإعتقاد أن " الطبيب " له قدرات خارقة لإعانة " المريض " ، و ذلك بإعتبار " الطبيب " لا ينتمي إلى أي أفق إنساني جديد بقدر إنتماءه المسرف " للمجموعة " أو " النحن " ، و ذلك عبر إنتظاره " المقابل المادي " من " الزائر " أو " المريض بالقوة " ، أليس من المفارقات أن يأخذ " الطبيب " مقابلا ماديا من " المريض " ؟ ، لذا وجب عليه إعانة نفسه أي تهذيب نفسه ، و شحذها من جميع إنتماءاتها " البراغماتية " ، و كل " طبيب " لا يفكر في شفاء نفسه فإنه يخلق للإنسانية نماذج عديد من " الإكتئاب " ، و " الإكتئاب " لدى هؤلاء هو لقمة عيش برجوازية . إن " عصر الصيدلية " هو " عصر " " صناعة الإكتئاب " بإمتياز ، أي " عصر " " صناعة الأدوية المضادة للإكتئاب " " antidépresseurs " ، بمعنى " عصر " خلق " المجموعة " التي تشن الحرب ضد " الفرد " أو " المجموعة " ،" حرب الكل ضد الكل " - هوبز " . بمعنى إنتاج " مجموعة " خاوية من " القيم التي وضعت بعد أهوال " الحربين العالميتين " ، " مجموعة مسوخ بشرية " تقف في طابور المسخ الأخلاقي ، حيث تتدرب هذه " المسوخ على تحطيم " الغير " نفسانيا ، و إرساله إلى " الطبيب " ثم إلى " الصيدلية " . و " الصيدلية " هي آخر أمل ميتافيزيقي في ضمير " المكتئب " حيث أنها تقدم له آخر حبوب أنطولوجية تشعره بنوع من التسامي النفسي داخل فضاء " المجموعة " . 

إن الإنسانية اليوم تدشن علاقة جديدة مع العالم ، علاقة " الفرد " ب " الصيدلية " حيث أصبحت " الإنسانية " تتوجه نحو " الصيدلية " لطلب الدواء ، و لا تتوجه نحو نفسها لشفاء نفسها ، و كل توجه ل " الصيدلية " هو إقرار ضمني ل" رفض التحمل " أي العجز عن العيش مع ذواتنا كما هي ، المقصود بذلك العجز عن إقتلاع جذور " الإكتئاب" 

ألا تعد إنسانيتنا هشة و فقا لهذا الإقرار ؟                                    إن إنسانيتنا تمر بنوع ركيك من البلاهة و العتوه الإيتيقي ، و التشرد النفسي في فضاءات " العيادة النفسية " ، و " الصيدلية " ، حيث ضربت الإنسانية " البنية العقلية " " structure mentale " لديها ، أي " ملكة التفكير " ، و زرعت في أرجاءها " السلوكيات الطقسية " " les comportements rituels " ، أي أسست " بانوراما " " panorama " جديد من الخرافات ، و الأحكام المسبقة ، التي هدمت صلاحيتها الإنسانية ، و ما الإنسان إلا مجموعة من الصلاحيات مثل " التفكير ، الأخلاق ، الإبداع " إلخ .. و كل مس من صلاحياتنا الإنسانية هو زعزعت و مناورة صامتة تجاه " مشروع الإنسان بإعتباره مهمة " ، أي خلق نوع جديد من " هولوكوست " " holocauste "، بمعنى " هولوكوست " روحي ينبجس منه " إنسانية هشة " غير واثقة من نفسها . إنسانية غارقة في الدفاع عن " هوية " ما ، في فضاء أفقها التي تنتمي إليه . إنسانية تدافع بل تدعم الإستبداد " الجماعي " تجاه " الآخر " ، و طمس " الذاكرة الجماعية " في لحظتها التاريخية الحرجة ، التي لا تتردد فيها إلا على " الصيدلية " . إنسانية " متشنجة بافلوفيا " . إنسانية تقف على حافة وجودها . أي تقف على عتبات " الموت الأخير " ، بمعنى الموت الصامت ، أي الموت النفسي ، جراء الوقوف في طابور " الصيدلية " ، و كل وقوف في طابور " الصيدلية " هي صرخة أخيرة تعلننا بمدى هشاشتنا الإنسانية ، في ضل تواجدنا في " عصر الصيدلية " .