لقد خانت بنو قريظة العهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وكما نعلم في غزوة الخندق؛ وبعد الغزوة قرر الرسول صلى الله عليه وسلم حصارهم، واستمر الحصار خمس عشرة ليلةً متَّصلة حتى أُلْقِي في قلوبهم الرعب والفزع وأصيبوا باليأس..


وكان (صلى الله عليه وسلم) قد عرض عليهم ثلاثة أمور في أول الحصار:

- إمَّا أنْ يُسلموا ويدخلوا مع محمد -صلى الله عليه وسلم- في دينه، فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم.

- وإمَّا أن يقتلوا ذراريهم ونساءهم بأيديهم، ويخرجوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسيوف يقاتلونه حتى يظفروا بهم، أو يُقتلوا عن آخرهم.

- وإمَّا أن يهجموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يوم السبت؛ لأنهم قد أمنوا أن يُقاتلوهم فيه.. فأبوا أن يُجيبوه إلى واحدةٍ من هذه الثلاث.


وبعد طول حصار طلبت بنو قريظة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُرسل إليهم رجلًا للتفاوض معه، واختاروا أبا لبابة بن عبد المنذر الأوسي -رضي الله عنه- وأرضاه وهو من الأنصار، فلماذا اختاروا هذا الرجل دون غيره؟!

وذلك لأنَّه كان حليفًا لهم في الجاهليَّة، فظنُّوا أنَّه -بما لهم به من صلة قويَّة وجيرة- أنَّه من الممكن أن يُأثِّروا في حكمه، وأن يكون رحيمًا عليهم مع عِلمهم بفداحة جُرمهم وخيانتهم.

وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد عزم على أن يقتلهم لخيانتهم؛ حيث تحالفوا مع قريشٍ، واتفقوا معهم أن يُدخلوهم إلى المدينة من ناحيتهم، ويعاونوهم على استأصال شأفة المسلمين في المدينة المنورة؛ فالجزاء من جنس العمل.


فذهب إليهم أبو لبابة -رضي الله عنه- للتفاوض، والتحاور معهم، والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد نبَّهه ألَّا يُخبر اليهود بهذا القرار؛ لأنهم إنْ عرفوه فلن يفتحوا الأسوار، وسيظلُّون محاصَرِين فترةً طويلةً من الزمن، وذلك لقوة حصونهم وضخامتها، ولِمَا فيها من المؤن والطعام والماء ما يكفيهم لأن يصمدوا شهورًا، وقد يضطر خلالها المسلمون لفك الحصار نظرًا إلى ضعف الإمكانات التي تٌعين على طول الحصار..


وصل إليهم أبو لبابة -رضي الله عنه- فلمَّا رآه اليهود قام إليه رجالهم، وجهشت إليه نساؤهم، والصبيان يبكون في وجهه، الكل يبكي؛ لأنَّهم يعرفون النهاية، فَرَقَّ لهم، فقالوا له:

"يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد (صلى الله عليه وسلم)"، فقال بلسانه: "نعم، انزلوا على حكمه". ولكنَّه أشار إلى حلقه (أي أنه الذبح)؛ كأنه قال: سيذبحكم رسول الله!

لقد أفشى سرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم، حتى ولو لم ينطق بلسانه.. لقد خان العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. جريمةٌ كبرى، وخيانةٌ عظمى.. ولمن؟! لله ورسوله!


إنَّه (أبو لبابة) من الأنصار، ومن الصحابة الثابتين في الإسلام، ومن العظماء في التاريخ الإسلامي، وله تاريخٌ فيما سبق! لكن سبحان الله النفس ضعيفة، أخطأ في لحظة، وهذا الخطأ لا يقع فيه كثيرٌ من المسلمين، ولا ينبغي لهم أن يفعلوا.. فيقول أبو لبابة -رضي الله عنه- عن شعوره وما استوعبه في قرارة نفسه على الفور بعد فعله هذا:

«فوالله ما زالت قدماي من مكانهما، حتى عرفتُ أنِّي قد خُنْتُ الله ورسوله».


هنا علم أنَّه أذنب ذنبًا عظيمًا، أنَّه خان الله ورسوله! نعم كانت لحظة ضعف إيمان، لكنَّه تذكَّر من فوره أنَّ هناك «التوبة»! وهي ما يُحبُّه الله تعالى من عبده المذنب مهما عَظُم ذنبُه.. بل التوبة هي أمر الله تعالى لعباده؛ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31].


وكان -والحمد لله- أبو لبابة -رضي الله عنه- من المفلحين؛ فقد انطلق على وجهه مباشرةً، ولم يأتِ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، بل ذهب إلى المسجد، وربط نفسه في عمودٍ، وقال: «لا أبرح مكاني هذا، حتى يتوب الله علي ممَّا صنعت».

فقد ربط نفسه في ساريةٍ من سواري المسجد، وقرَّر ألَّا يفكَّ نفسه، حتى يفكَّه الرسول -صلى الله عليه وسلم، وكان من الممكن أن يكتم الموضوع، لم ير أحد من المسلمين ما حدث، لكن الله رأى! وهو يُدرك فداحة الذنب وكِبَره، فكان لا بُدَّ من التوبة، وما أسرعها من توبة!


وقيل إنه قد نزل قول الله -عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[الأنفال:27]. ووصل الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان قد استبطأه، وعلم أنَّ أبا لبابة -رضي الله عنه- قد ربط نفسه بالعمود في المسجد، وأقسم ألَّا يبرح هذا المكان، حتى يتوب الله عليه، فقال -صلى الله عليه وسلم- كما روي عنه: "أَمَا لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إِذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِالَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ"[1].


وقد ظلَّ أبو لبابة -رضي الله عنه- محبوسًا في قيده ستَّة أيَّام، تأتيه امرأتُه في كلِّ وقت صلاةٍ تفكُّ القيد فيُصلِّي، وترجع تُقيِّده ثانيةً من جديد.. ألمٌ شديدٌ في النفس، وتوبةٌ سريعةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ، توبةٌ صادقة، وبعد ستَّة أيام، نزلت رحمة الله عزَّ وجلَّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالتوبة على الصحابي الجليل أبي لبابة بن عبد المنذر -رضي الله عنه وأرضاه، وكان -صلى الله عليه وسلم- في بيت أم المؤمنين أم سلمة، تقول أم سلمة:

«سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ..

- فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ؟ أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ.

- فَقَالَ: «تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ».

- فَقُلْتُ: أَلَا أُبَشِّرُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بِذَاكَ؟

- فَقَالَ: «بَلَى إِنْ شِئْتِ». فَقُمْتُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَقُلْتُ -وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ-: "يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ، فَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَيْكَ".

فَثَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ. فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ خَارِجًا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَطْلَقَهُ»[2].


فما أسرع توبة أبي لبابة وما أحسنها! وما أجمل البشارة والفرحة بقبولها!


فكانت توبة أبي لبابة -رضي الله عنه- خير تمثيل لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:17]. فما أجمل أن نعرف النماذج العمليَّة التطبيقيَّة لكلام الله، ونتمثَّلها أمام أعيننا وأذهاننا؛ لتكون لنا أجدر عِبرة، وأصدق نصيحة، وأمثل نموذجًا يُقتدى!


[1] ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الفكر – بيروت، 1409هـ= 1989م، 2/79. وابن عساكر: إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر، تحقيق: حسين محمد علي شكري، دار الأرقم بن أبي الأرقم، ط1، ص100.

[2] البيهقي: دلائل النبوة، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1405هـ، 4/ 17.