المكان: بغداد مقر الخلافة.. العصر العباسي عصر هارون الرشيد..🌏
        في حديقة القصر جلسا معا يتبارزان، ويضحكان، كل منهما تجرد عن منصبه؛ الأول عن كونه خليفه، والثاني عن كونه وزيراً له وحامل خاتمه.. من يراهما يحسدهما علىٰ تلك المحبة والأخوة ولما لا..؟  .. أو ليسا أخوان من الرضاعة،يلبسان نفس الثوب ويأكلان نفس الطعام.. فلا مجال لتلك المناصب بيننا يا هذا، لنتقرب منهما قليلا لنسمع بما يهمسان..
الخليفة
: انظر يا جعفر.. تفاحة
جعفر: هيا لجلبها يا أمير المؤمنين..
حاولا جلبها وهما يتصارعان مزحة، فلم يستطيعا،
الخليفة: امتطي ظهري يا أخي واقطفها.
جعفر: حاشا وكلا يا مولاي.
الخليفة وهو يضحك ويربت علىٰ كتفه: لا تقل هذا يا جعفر ليس بيننا مناصب.
جلس هارون الرشيد وامتطىٰ ظهره جعفر وجلب التفاحة.. قسماها نصفين وجلسا يأكلاها وهما يضحكان..
لا شئ يروح عن الخليفة، ويطيب نفسه مثل جعفر البرمكي، فقد كانا كثيرا اللهو، والشرب معاً، كما كان جعفر لعلمه و وفقاهته ساعده الأيمن وجانبه القوي الذي يعاونه في كل نواحي الحكم، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة..
من بعيد وقف رجل من البرامكة يراقب هذا المشهد بذهول.. كيف يحدث هذا؟..
بعدها بأيام طلب الرجل مقابلة الرشيد، وقال: «هل لي بطلبين يا أمير المؤمنين؟»، فقال: «آتِ ما عندك»، قال: «أما الطلب الأول هو ألا تعتبرني منذ الآن من البرامكة، فأنا أتبرأ منهم، وأما الثاني فهو ألا تسألني لماذا طلبت منك ما طلبت»، فقال له هارون الرشيد: «لك ما تريد»..
أثار ذلك اللقاء تفكير الرشيد وأخذ يفكر به.!
في الجانب الآخر كان جعفر قد أمكن سيطرته على الرشيد، وتمكن من قلبه، ووثقا في بعضيهما البعض.
البعض أثاره الحنق والحسد والبغض منهما.. لما يقربه دون سواه هو وأخوته وأبيه،وعائلته من البرامكه فطافت تلك الفئة بين الناس بالفتنة.
غير أنه بعيدا عن تلك الفتنه.. كان قد تسلل لجعفر شيئا من الغرور والكبرياء.. وفاحت حوله رائحة السلطة.. وكان محبوبا من الناس لسخائه وجوده وبذله وطلاقة وجهه، وسماحته... فقد ورد (أنه لما حج اجتاز في طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعرضته امرأة من بني كلاب وأنشدته:

إني مررت على العقيق وأهلهيشكون من مطر الربيع نزورا
ما ضرهم إذا جعفر جار لهـم أن لا يكون ربيعهم ممطـورا

)

فأضحىٰ يفكر في خططه الشيطانية.. وحوله فئة من المنافقين تساعده..
اختلف المؤرخين اختلافا كبيراً في الأحداث التي أوغرت صدر الخليفة من جعفر البرمكي..
فأشاعوا أنه كان شيعياً.. وأشاعوا أنه فتح للعلويين بابا للهجوم على القصر..
كما أن حادثة العباسة التي تزوجها جعفر ثم أنجب منها.. كان له دور في الانقلاب عليه..بالإضافة لإفراجه عن أبا جعفر يحيىٰ بن عبدالله الخارج على الخليفة الذي سلمه إليه وحبسه عنده..
كل تلك الأحداث تداخلت في رأس الخليفة بالإضافة لوفاة والدته الخيزران..
فكان أول ما قام به؛ إعفاء جعفر البرمكي من حمل خاتم السلطة فكانت تلك بمثابة طعنة لجعفر ...
تصاعدت الأحداث والتهبت واشتدت الفتنة بين البرامكة والخليفة إلا أن وصلت أقصاها..!🌪🌑
في ١ من شهر صفر لعام مائة وسبع وثمانين.. كان الليل قد دخل..وجعفر (أبا الفضل)..ترك أولاده وزوجته للذهاب للنوم..أطفأ النور..خيل إليه سماع صوت ما فوقف ينصت إلا أن الصوت اختفىٰ.. دخل في سىريره وألقىٰ فوقه الغطاء..إلا أنه لم تغمض له جفن..تتابعت الأحداث أمامه..إعفائه من حمل خاتم الخليفة..عدم قيام الغلمان له في القصر بأمر من الخليفة...جفاء الخليفة تجاهه..توتر العلاقات بين الخليفة وعائلته.. كل ذلك دار بخلده منعه من النوم...
في الناحية الأخرىٰ في القصر..الخليفة كان قد فكر في الأمر وتبين منه..ثم عزم على الفعل..
الخليفة يصرخ:أيها الجنود ائتوني بجعفر هنا مقيداً..
الجنود:أمرك يا مولاي..
أيقظوه من نومه حيث لم يكن نائماً..وأخذوه إلى قصر الحكم ...
أدخلوه على الخليفة الذي أمسكه من طوق ثيابة وصرخ في وجهه بحرقة..أهكذا يا جعفر؟  تخونني..؟ثم صرخ في جنوده: اقطعوا رأسه واجلبوها لي...
صرخ جعفر:لا يامولاي لا تفعل أستحلفك بالله.... جحطت عيناه من شدة الخوف..ثم...خرس صوته وسمعت حشرجته وانتشر الدم في المكان ثم انتهىٰ كل شئ...!
جلبوا للخليفة رأسه وضعوها أمامه ثم ذهبوا..نظر للرأس..تذكر أياما مضت...وأجهش في البكاء..إنما تحتم علي فعل ذلك يا جعفر!..


هكذا الحكم، وهكذا السياسة من كان أخاً أضحىٰ عدواً..

 وكما قيل فإن (الملك عقيم).