(رسالة الندم..!)

جلس وحده.. بعد وفاتها يضرب كفاً بكف، ويتحسر على أيام مضت، أيام لم يستطع أن يوفيها حقها.. لم يسعدها كما أسعدته، لم يتحملها كما تحملته، لم يستطع تقديم أي شئ معنوي؛ كان من ذلك النوع المتحفظ على مشاعره المتكتم عليها.. لا يستطيع قول (أحبك).. شكراً لكِ.. سلمتِ.. طعمه لذيذ.. اليوم وبعد أن انتصر عليها السرطان بعد مقاومة دامت أربعة أشهر.. جلس يتذكر الأيام الخوالي؛ بداية من زواجهما، ثم أن قدّر الله ولم ينجبا بسببه؛ لأنه عقيم... لم تعايره مرة بذلك، لم تفكر حتى في الانفصال، وهي التي كانت ما زالت في ريعان شبابها أي شاب يتمنى الزواج منها.. لكنها تمسكتّ به، تذكر كلامها:(سأظل معك حتى تحترق النجوم؛ فأنا من بدأت الطريق، ولن أحيد عنه)♥..لم ترجو مني شيئا غير أن أبقىٰ في البيت مدة طويلة..تقول:(لا أتمنىٰ إلا أن نكون معاً مدة أطول؛ فاترك أسفارك واحصل على وظيفة صغيرة هنا في بلدك، لا يهم المال إن كنا نشقىٰ به أو يبعدنا عن من نحب )🌿..تركتُها وحيدة بين أربعة جدران تعاني من الوحدة والتعاسة والاكتئاب، لم أكن حتى أفكر في كلامها بل كنت أدير وجهي كلما حدثتني في ذاك الموضوع.. كنت أظن أن المال سيسعدها. 

في آخر سفرياتي.. طلبتْ مني ألا أذهب وأبقىٰ بجوراها.. أدرت ظهري وصككت الباب بقوة.. ونزلت.. سمعت صوت نحيبها وأنا أنزل... قطّع قلبي، لكني تجاهلته سائرا نحو شهوة مالي. في العمل.. جاءت مكالمة..(عُد بسرعة.. ماتت زوجتك).. دارت بي الدنيا.. سقطتُ على الأرض فقدت وعيي، ثم أيقظوني، لملمت حقائبي.. وعدت أدراجي.. دخلت عليها سريعا.. كانت ملاكا نائما... انكببتُ عليها (استيقظي.. استيقظي) ولكن ما من جدوىٰ فقد نفذّ القدر ما أُمر به... جلست بجوارها أبكي.. كالطفل يبكي أمام أمه.. لم أبكي كذلك منذ مدة؛ فطالما اعتبرت أن البكاء ضعف..😔
ناداني أحدهم (سيد عادل: لقد تركتْ لك رسالة..).. أخذتها منه بلهفة نفضتها بسرعة،و بدأت أقرأ:
(زوجي الحبيب أحبك، أما بعد: فربما تكون هذه رسالتي الأخيرة.. آسفة لإزعاجك... لكن قبل أربعة أشهر أُصبتُ باكتئاب حاد ووساوس شديدة.. راجعت طبيبا نفسياً.. بعدما عرف خوفي الشديد من الوحدة.. نصحني بأن أظل معك.. طلبت منك أكثر من مرة، أن تتخلىٰ عن أسفارك لكنك رفضت.. لم أشأ أن أخبرك بمرضي حتى لا أوقف مسيرك فتركتك تذهب حيثما تحب.. بعد مدة زاد الاكتئاب، قلت مناعتي.. فأُصبت بالسرطان حينما كنت أنت في عملك.. اشتدّ علي المرض كثيراً، أخبرني الطبيب أنه بعد أربعة أشهر سأموت.. طلبت منك ألا تسافر فرفضت.. بكيتُ فلم تسمع، الآن وأنت تقرأ رسالتي أظنني قد مُت...
آسفة لازعاجك.. وإنما كتبتها لئلا تعلم أنني ماكنت في حاجة للمال إنما كنت في حاجة إلى زوج أركن إليه ويركن إليّ، يحبني، يستمع إلي، يظل معي وأظل معه لا يفرقنا دروب السفر،لكنك أبيتَ إلا أن تخذلني... والسلام)
..
ظللت أحدق في الرسالة لساعتين أو أكثر.. ندمان أشد الندم من تلك التي أحبتني ولم أعطها شيئاً.. كانت ملاكاً في حياتها ملاكاً حين ماتت 💔
تمت.