اتصلت اليوم بأخ قديم جدا هو الاستاذ عبد المجيد آغا ، كنت جمعتني به الأقدار في مدرسة الإخلاص بمنطقة عزاب وهو يمني من أصول تركية اَي انه من احفاد العثمانيون القدامى الذي بقوا في اليمن وسكنوا شواهق الجبال ، كان عبدالمجيد نموذجا للأستاذ المثالي الذي يجيد ادراك واقع الاخرين ونفسياتهم وطبيعة التفكير ونمطه الذي يسكن أدمغتهم ، كما كان يتميز بحس اخلاقي وسياسي رفيع ، اتذكر حين قابلته اول مرة وان أؤدي عام ١٩٩٩م خدمة الدفاع الوطني بعد الثانوية العامة انه تحدث معي بلطف مشوب بود وكأنه يعرفني من زمن بعيد ثم قال اليوم نتغدى ونخزن سوى يا استاذ رداد ، هكذا بدون تكلف انخرطنا معا في زمالة أخوية رفيعة، كان يمتلك مكتبة صغيرة أعطاني بعد يومين مفاتحها وقال كن إجلس بالمكتبة واقرأ فيها ،ثم أهداني "دجلة تركية" مهيبة وأنيقة كانت تناسب مقاسي تماما ،كنت أختال بها كطاووس صغير وهي تمنحني قواما لائقا كإسلامي مبتديء ولج دروب الحداثة محتفظا بمضامين قيمة كلها ومستلزمات السوية الاسلامية الكامنة على شكل معتقد وفكر قويم.

لم يكن الاخوة في عزاب آنذاك يمتلكون القدرة على تقدير وإدراك جمال الأشياء وأصالتها ،كنت أستطيع النفاذ إلى ذات الأشياء مدركا منطوياتها ، الأصالة غالبا ما تتهيأ على شكل بساطة رفيعة ذلك أنها عزيزة تجيد الاحتشام ، والبساطة حجابها المعتاد فهي لا تبدي زينتها بشكل سافر بل بشكل وقور ومهيب كالشمس ...

كان عبدالمجيد على خلاف معهم كانوا يرونه مجرد أخ أوشك على أن يسقط على طريق الدعوة لكن عبدالمجيد الذي ورث عن أجداده فنون السياسة والقدرة على ممارستها باحترافية عالية كان أذكى منهم كان يستطيع أن يخترق الأطر المناوءة للحركة الاسلامية وينفذ إليها بخفة وقدرة على صياغة العلاقات معها بما يمكنه من دراستها وإدراك وعيها وأهدافها وأساليب عملها ، أرسل اليوم الاخ الاستاذ عبد المجيد هذه الرسالة : -" كلما ذكرناك يا أخ رداد ذكرنا قيم النبل والمروءة والثقة بالنفس والطموح وأتذكر دائما البيت الشعري للشافعي والذي سمعته لأول مرةمنك(أنا إن عشت لن أعدم قوتا وإن أنامت لن أعدم قبرا همتي همة الملوك ونفسي نفس حرٍ ترى المذلةكفرا)

قلت له : انت اعظم اخ عرفته يا اخ عبدالمجيد وانه ليسؤني ان يكون حفيد السلطان عبدالحميد الثاني رحمه الله في وضع غير جيد حياتيًا ، ولازلت اتذكر تعاملك الاخوي الاطيب معي ، ثم أردفت : كنت تتسم بالنبل والاخلاق والذكاء الموروث عن اجدادك العثمانيون الذين فتحوا الدنيا وتصدوا للزحف الصليبي على الأمة وحولوا المعركة الى بلغراد قلب أوروبا .

ثم أضفت : كانت الشهامة تلهو في قلبك وجبينك ويديك وكنت اخا وفيا للفكرة ولقد كان من حولك آنذاك يجهل أسلوبك في مرواغة ذوي الباطل والنفاذ اليهم وإدراك اهدافهم كانوا يقرأون الكهف بشكل سطحي وكنت تقراها بوعي لذلك لم يكونوا يستطيعون معك صبرا أو لك فهما كنت الوحيد الذي يفهمك لكني كنت افتقر الى التعبير عن ذلك الإدراك نظرا لبدائية انتمائي ولاني لم اكن شخصا مهما في الحركة .

رد قائلا : العين بصيرةواليدقصيرةوهنيئالك زيارةبلدالتأريخ والفتوحات والإعجازو٠٠٠"

قلت له : ولعلمك ألفت رواية بعنوان " سرب الأحلام " كانت بدايتها اسطنبول ثم التغزل بجمالها وسماءها ونوارسها ثم عرجت عن الحديث عن العثمانيين الذين حملوا راية الاسلام طيلة ٦قرون .

انت اخ استثنائي يا اخي عبدالمجيد ويعلم الله وحده انني احبك فيه وانه لشرف عظيم ان يكون لي اخا مثلك من احفاد العثمانيين المسلمين العظماء ..

✍🏻رداد السلامي