دار الزمان وصرنا في عصر غريب، يُطّل فيه الأعداء علينا بوجه الأصدقاء، ويُفرَض علينا أن نُشارك عدونا الحياة والتعايش والصداقة رغم ما بيننا وبينه من كراهية ودماء.. صارت الحياة بلا طعم أو قيمة، وصار ربيعها بلا زهور، وصار نصرها بلا حرب!

الربيع العربي

أما عن الربيع فهو ربيع عند من أسماه بذلك فقط، فبعد مرور ثماني سنوات على ما سُمى بثورات الربيع العربي نجد أننا في حاجة لوقفة للتقييم والتأمل ، فمن دبر سيناريو تلك الثورات يعلم مُسْبقا أنها لن تكون إلا خريفاً مُدّمراً وشتاءً قارساً وصيفاً حارقاً ، ليس هذا اتهاما أو ادعاءً بل حقيقة تاريخية فأمريكا أول من أطلقت اسم الربيع على ثورات براغ وبودابست* ضد الاتحاد السوفيتي القديم (روسيا حاليا) عدوهم اللدود فقد كانت الثورة والقتال والدماء ربيعاً حقيقياً لها، وصار الربيع في بلادنا دماءً ودماراً وأغنية ترددها الإذاعات احتفالا ببدء فصل الربيع بلا معنى في النفوس، وسط شعارات الحرية والديمقراطية التي لا يفهم معناها الا القليل من أفراد الشعوب ، فصار ربيع الهَرْج* والمَرْج* حيث لا قائد ولا توحد والكل يسير وسط سراب الشعارات، ولا يدرى ماذا بعد اسقاط نظام بلده؟! والوطني الحقيقي المُحب لبلده لا يُسْقِط النظام إلا ببرنامج ونظام بديل وبالانتخابات وليس بالسلاح والفوضى والميليشيات، وتقسيم الوطن، لذا فبعد كل تلك السنوات لم ينجح أحد.. أنظمة وشعوباً، فمازال النموذج التونسي تحت المجهر ولم تكتمل صورته.

نصر بلا حرب

وأما عن النصر بلا حرب فهو لهم لأن حروبهم تُدّبر في بلادهم وتُدَار في بلادنا وبيننا وبين إخواننا وأهلنا، تلك هي الخطة العالمية التي نُشرت في كتاب بنفس الاسم في ثمانينيات القرن الماضي- لريتشارد نيكسون* الذي استقال قبل عزله بفضيحة ووترجيت- لاتهامه بالتجسس على الحزب الديمقراطي المنافس، الا أنهم وكافة العالم المتحضر لا يهدمون كل شيىء ويبدأون من أول السطر بل نحن العرب من نفعل ذلك.. هم ينظرون دائما لمصلحة الوطن ويأخذون الخطط والنصائح حتى ولو كانت من فم خائن أو مخالف للقانون ..لقد استفادوا من ويلات حروب الماضي سواء-العالمية  ذات لأهداف الاستعمارية ، وكذلك من الحروب الأهلية التي تهدف الحرية والعدالة الاجتماعية فصار تفكيرهم الاستعماري في بلادنا فقط وصرنا كعكة يقتسمونها بمبدأ التفاوض القائم على ميزان القوة لكل دولة منهم ، واستمتعوا بالحرية والعدالة كواقع في بلادهم ، وصار شعاراً يحركون به شعوبنا للخلاف والتقاتل باستغلال بعض الأفراد داخل مجتمعاتنا وتجنيدهم بمنح تدريبية واقتصادية أو بشحن اعلامي أو حصار اقتصادي ضد بلداننا .. ويستمر القتال بين أبناء الوطن وتُدّمر البلاد فاذا ما انتصر الثوار أيدوهم كتابعين لهم، وإذا ما تغلب النظام القائم أيدوه تحت مسمى إرادة الشعوب، وبدأوا اتفاقيات إعادة الاعمار، وإذا لم ينتصر أحدا واستمرت رحى القتال تدور -باعوا السلاح لكل الأطراف التي تخضع لهم دون احتلال أو حرب، ذلك هو النصر بلا حرب وذلك هو الربيع بالنسبة لهم، ولكن في بلاد العرب دمار وخراب.

المؤامرة من داخلنا

لست من أنصار نظرية المؤامرة بأنها السبب الرئيس لهذا الوضع المتردي-فلو نظرنا لحالنا لوجدنا مؤامراتنا نحن على أنفسنا أشد وطأة!

* نحن نحارب الشباب الكفء في بلادنا ولا نعاونه على النجاح الذي يستحقه بالفعل والدليل نجاح شبابنا في الخارج -بالرغم أنه نتاج منظومة تعليم فاشلة عبر العصور-لأنه ببساطة يعمل في الخارج وفق منظومة وفريق عمل بلا أهواء فيزداد نبوغا ونجاحا، لكنها في النهاية مشروعات تستفيد منها الدول التي تعاونهم.. حتى لو قرر أحدهم ان يعود يوما لوطنه ويعرض مشروعا حاربناه وأتهمناه بالعمالة!

* نحن نحارب ديننا في أوطاننا.. ألم تصدر قرارات تحظر النقاب والحجاب في بلداننا العربية؟ ألم تصدر قرارات ضد أحكام المواريث الشرعية ويطالبون بالمساواة ويرفضون حكم الله؟ ألم تصدر قرارات تطالب رجال الدين بإعادة النظر في أحكام وفتاوى الدين الثابتة؟ ألم يراقب طلبة العلم الشرعي ويتهمون بالإرهاب والتطرف ويعتقلون ويعذبون في بلداننا؟! انه ديننا الذي نجهله فصرنا مع عصرنا نصارعه!

* صراع السلطة في بلداننا بين من يمتلكون القوة والسلاح من العسكريين فهم الذين وقفوا في وجه الاستعمار وحرروا الشعوب حاملين أروحهم على أكفهم ،والشعوب لا تعرف سواهم ..فلماذا لا يتصدرون المشهد ويتركوه للمدنيين- المجهولين ..الذين لا يملكون سوى الكلام والشعارات عن-الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان- تلك الشعارات الأوروبية والأمريكية وبالتالي فمن السهل تفريقهم بالتصنيف الى ليبرالي وشيوعي وبعثي وناصري و.و. ويمكن أيضا اتهامهم بالعمالة للخارج وتخوينهم، واما بشعارات دينية فمن السهل أيضا تفريقهم بالتصنيف سني وشيعي ومسلم ومسيحي وإخواني وسلفي ...!

* تزاوج أصحاب الثروة -الأقلية- مع أصحاب السلطة بالعلاقات الاجتماعية الفعلية أو ببعض المساعدات والمشروعات الاجتماعية والمصانع خوفا على أموالهم- من قراراتهم، وتحصنا ضد الفقراء-الأغلبية- الذي ينظرون إليهم بحقد ويعتبرونهم لصوصا مستغلين لأقواتهم وحقوقهم الشرعية كزكاة مال أو أجورهم مقابل عملهم، مما يجعل الإحساس بالظلم يعم المجتمعات التي أغلبها من الطبقات الفقيرة، ويتم التحكم فيهم ببعض المزايا الاقتصادية المؤقتة التي يفرحون بها الى حين انتهاء الانتخابات ثم تُسلب منهم شيئا فشيئا!

* نبحث دائما عن الاجماع في الانتخابات، ونتهم بالخيانة -من يعارضنا أو ينافسنا، وهم يتجمعون لاختيار الحزب الحاكم، فرغم كثرة الأحزاب -مثلنا- الا أننا لا نسمع الا عن حزبين شهيرين دائما يتنافسان ويتبادلان الحكم مثل الجمهوري والديمقراطي بأمريكا، ويحكم الذى يقدم برنامجا يحافظ على استمرار تفوق البلاد وتقدم المستوى المعيشي للمواطن والقانون يطبق على الجميع سواء غنى وفقير وللكل نفس الحقوق والقرارات بالأغلبية وليس بالإجماع دون تخوين اوإساءة والمحاسبة بالمستندات والدليل.

إن كلماتنا وأفكارنا المتبادلة بحرية هي القوة الناعمة التي حتما ستدفع من يستبد بالسلطة للتنازل عنها، والتي لن تحدث إلا بتطور التعليم واهتمامنا بديننا واستغلال مواردنا البشرية والاقتصادية الهائلة بوطننا العربي، وليحكم من يحكم بلا انتماء ولا تصنيف تلك أهدافنا، فليحكم شعوبنا من يعيد إلينا قوتنا الناعمة لننتصر على من يُدّبرون لأوطاننا - بلا حرب أو دماء أيضاً.. فليحكم من يجعل ربيعنا حقيقيا بتطور وعزة وكرامة.. بورد وزهور وليس ربيعاً عربياً دمويا ًمن صنع أعدائنا.

عبده عبد الجواد- بورسعيد-مصر

الهوامش :

· ربيع براغ: ثورة تشيكوسلوفاكيا ضد الاتحاد السوفيتي عام 1968

· ربيع بودابست: ثورة المجر على الاتحاد السوفيتي عام 1956

· الهَرْج والمَرْج: يقصد بها كثرة القتل بلا سبب ولاهدف محدد وورد في الأحاديث التالية:

عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ، (فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ

رواه مسلم (2908)

وعنه رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ ، حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ)

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ. قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَال: الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ. قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ الْآنَ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْكُفَّارَ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ. قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَمَعَنَا عُقُولُنَا؟ قالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكَ الزَّمَانِ، حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ

رواه أحمد في " المسند " (32/409) وصححه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (رقم/1682)

- كتاب نصر بلا حرب- ريتشارد نيكسون / صدر عام 1999 اعداد وتقديم المشير/ عبد الحليم أبو غزالة- وزير الدفاع المصري خلال الفترة من 1981-1989