توقفت السيارة .. قال السائق : " عشر دقائق ياافندية .. عشر دقائق استراحة "

هبطْتُ مع الركاب من الاتوبيس الى الاستراحة أو الرست .. اه .. تنهيدة حارة خرجت من صدرى حين تذكرت وجه السيدة التى تجلس بجوارى فى الاتوبيس .. ملامحها ارستقراطية ولكنها بحق- حزينة ، وأقول بحق لأننى لم أر من قبل ارستقراطية حزينة مثل أحزاننا نحن طبقة الوسطاء .. ربما هذه حقيقة وربما مجرد حقد –ان كان مجرد هذا الاحساس يمثل حقدا !

وجهها يجسد فاجعة كبرى تعرضت لها – وفاة ابن او زوج.. أو طلاق أو خيانة..لاأدرى.

فكرت أن أدعوها لفنجان شاى معى، ولكننى خشيت أن ترفض أو تفهمنى خطأ .. اننى فى عمر أبنائها وربما أصغر .. فى النهاية لم أفعل .. لم تنطق ، ولم أنطق حتى عندما استأذنتها لكى أغادر المقعد قامت ولم تنطق أى كلمة !

نظرت فى ساعة يدى .. كان وقت الاستراحة قد اوشك على الانتهاء .. عدت للسيارة بينما بدأ ميكروفون السيارة فعلا ينادى الركاب بالتجمع حتى تستكمل الرحلة .

عدت للمقعد .. نَظَرَتْ لوجهي بعيونها الحزينة ، وقامت لتدخلنى بجوارها دون اى كلمة أيضا ، وجدت عيونها تنقلنى للحظات حائرة فى المقارنة بين رحلتى ورحلة الحياة .. رحلتى محددة الزمن أو على الأقل حدها الأدنى والأقصى ، ورحلة الحياة لايعلم حدودها سوى الله .. رحلتى محددة المكان ، ورحلة الحياة غير محددة الهوية ولايدرى أحد الى أين سيذهب وأين سيستقر وأين سيموت ؟ .. خطر ببالى الموت .. دار فى رأسى السؤال مرة ثانية : ماالذى فجعها ؟ وماالذى يجعلها تجلس ساكنة بصمت كسكون الموتى .. ماذا ؟

تذكرت حين بدات الرحلة كان فى وداعها رجل تقريبا متوسط العمر وشاب تقريبا من سنى ، وكانا يحدثانها .. هل تريدين شيئا ؟ .. أعطاها الرجل مبلغا من المال ودسه فى حقيبتها حين رفضت ، وكان يلح فى كلمة : " الله معك .. تجلدى بالصبر" .. وقبل أن يهبط من السيارة.. نظر لها بابتسامة خفيفة وقال : " لااله الا الله " .. قالت : " محمد رسول الله " .. ثم بكت بكاءً حارا صامتاً .. تجعله دموعها صارخا .. احتدم الصراع داخلى .. أسالها ..هل أسألها عما بها ؟ ..ومايعنينى فى الأمر !..

فجأة صرخت وصرخ وفزع أغلب الركاب فقد تحطم زجاج السيارة المجاور لنا ، لقد اصدمت سيارة نقل تحمل بروزا جانبية - بزجاجنا ..توقفنا قليلا على الطريق ..اندفعت بعض قطع زجاجية فى وجهى .. سال دمى .. شعرت بالقلق ونظرت لى وكأننى ابنها تماما ً .. أخرجت منديلا تمسح الدماء بينما ترتعش يدها وتبكى .. وقف بعض الركاب يطمئنون علينا فقالت وقلت : الحمد لله .. كانت تمسح دمائي بينما تهمهم بدموعها التى انسابت رغما عنها .. سلامتك ياابني وبكت. لقد فقدت ابنى وزوجي فى حادث بسيارتنا .. نسيت آلامى بتعبيرها عن آلامها حتى ولو بكلمات بسيطة.. مهدت نفسى كى أسمع حكايتها ولكنها مالبثت ان عادت لصمتها من جديد.. سرحت بفكرى ..انها حكاية حياة فى كلمتين .. أسرة صارت فردا وحيداً ..فهل أحتاج لمزيد من الكلمات والتفاصيل .. ان آلامها بحق لايداويها ولاتعبر عنها كلمات ، كان وجهها الحزين يملأ عيونى بينما يملأ أذنى صوت دعاء أمى حين ودعتها لأسافر :

" تروح وتيجى بألف سلامة يابنى" ..شردت عيونى مثلها.. غمرنى القلق والحيرة ، غرقت فى صمتى ، مر شريط حياتى أمام عينى وجدتنى أشعر بالرغبة فى احتضان أبى وأمى وأخوتى .. وجدتنى أريد اعادة النظر فى كثير من شئون حياتى .. أصدقائى .. مستقبلى .. علاقتي بالله ..قوة التحمل والصبر ، وكأنني أرى وجه الحياة اليوم لأول مرة .. عاد صوت أبى يرن بأذني :

" لاتنسى دعاء السفر والتسبيح " .. بدأ لسانى يهمم بالدعاء لى ولتلك السيدة الحزينة .. شعرت وكأنى أخاطب ربى لأول مرة ..اطمئن قلبى وشعرت بخطة تملأ خيالى لرحلة الحياة القادمة .