انتظرتْ بشوقٍ وصولَ ذلك اليومِ الذِي طالمَا حلمتْ به و تخيَّلتْ أدقَّ تفاصيله... ذلك اليوم الذِي بكَت لأعوامٍ من شدة أملهَا بقدومه... ذلك اليوم الذي أحرقها بلهيبه الواصل إليها دون أن تتمكن من بلوغ شعلته لإطفائه...

       على مرِّ أربعةٍ و عشرينَ عامًا كرَّست جميع أحلامها، آمالها، تخيّلاتها و حتىّ دُعائها لذلك اليوم الذي استطاع اليأس أن يهدّم معظم بناءاتها فقد كان خبيثًا كفاية ليطْفأ الشُّعلة التي أوقدتها في قلبها حتى تواجه عالمها الساخر... العالم الذي حرمها من أبسط الأشياء... العالم الذي جعل منها أضحوكةً لأعوام... ذلك أنها عاشت معظم أيامها في ريبةٍ محاولة في كل مرة أن تنقذ نفسها من تلك الأسئلة التي أربكتها دوما بتكررها عليها و التي جعلتها تتسلح بالكذب كحرف جواب مقنع لتتغلب عليها دون أن تعلن استقلالها لأنها تدرك تماما أنها خسرت حربها ضد نفسها فليس من عاداتها الكذب إلا أنها أتقنته أشد إتقان لمواجهة ذلك النوع بالتحديد من الأسئلة ، لكنها اليوم وياله من يوم! يوم على غرار جميع الأيام... هو حقا ليس يوما عاديا كباقي الأيام التي عاشتها لقد اعتبرت اليوم عرسا أرادت خلاله أن تحرر صوتها بزغردة تزلزل بها العالم ليفرح الجميع لأجلها لأجل حلم قد يراه الكثير تافهًا كما قد يُرفقه بمختلف عبارات الاستهزاء و السخرية و لربما حتى بالضحك الهستيري الذي لن يتوقف مدى الحياة ...
    هي تعلم ردة فعل الكثير حيال حلمها حينما تفصح عنه بل و سيسخر ثلاثة أرباعهم بشدة منه، لكن هناك و ليس بعيدا عنها من سيساندها و سيشاركها حلمها لأن الحياة تزخر دوما بالمؤيدين و المعارضين فلا يوجد أحد بلا نقاد و لا يوجد أحد بدون معجبين... و في هذه النقطة بالتحديد على الإنسان أن يتقبل، يستمر و يحاول التغيير باحثا عن الجوانب السلبية التي صادق المعظم عنها في برلمان النقد ليقوم بتعديلها أو حتى باستبدالها...
     حلمها الذي اغرورقت عيناها برؤيته يتحقق الآن مُسقطا كل التخيلات التي كبرت وهي تبني أو ترمم فيها فهو حاليا ينجلي أمام ناظريها ذلك أنها شيّدت أحلامها اعتمادا على أساسين كانا على شكل سؤالين متكررين كيف سيكون ذلك اليوم؟ و ماذا ستفعل فيه؟ متناسية تماما أن تطرح على نفسها سؤالا حول كيفية ردة فعلها...لربما كانت قد جهزت نفسها كفاية لتكبل دموعها المنهمرة أو لربما قد توقعت قَبلا أنها ستشل مثلما حصل لها الآن.
      لقد توقَّف قلبها في تلك اللَّحظة عن النبضان تاركًا المجال للسِّيالة العصبيَّة أن  تتصرف بكل حريةٍ في جسمها لتشُلَّ كل شيء و تنتقل مباشرة إلى عينيها حتى تسمح لهما باختطاف و تخزين أكبر قدر ممكن من ذلك المنظر الذي ارتسم بينهما لأول مرة على المباشر... نعم انظري لا تدعي عيناك ترمش، خذي كل التفاصيل ذكرى حتى و إن غادرك النوم على الأقل بإمكانك إعادة سيناريو البحر ثانية بثانية دون أن تغفلي عن أي شيء... ها هي كوابيسك تهوي كأنها لم تكن يوما كأن تلك الأعوام التي أحرقك عذابها كانت مجرد يوم... البَحْرُ الآن ينْجلي أمامك فحاولي استيعاب صورته...
نعم البحر أمامك في بث مباشر فلا تنزعي عيناك عنه...
أجل كان هذا هو حلمها الأكبر في ذلك الحين...حلمها بسيط كبساطة أيامها... أن ترى البحر... أنْ تُلامسَ مياهَه الباردة و أن تستمع إلى سمفونية أمواجه...