عزاءات الفقيد

أنهيتُ مكالمة منتصف الليل مع مَن أدّعي أنّني أحبها، بعد عدة عبارات غزلٍ رخيصةٍ وأبياتِ شعرٍ بالية تخللتها تنهيدات مفتعلة اتفقنا على استكمال المشوار معًا بهممٍ مستنزفة.

أوقن بأنها لا تصدق حرفًا مما أقول مثلما أفعلُ بالضبط، وأن مشاعر كلٌّ منا للآخر بالكاد تصل إلى مشاعرنا نحو سائق الحافلة الذي يسير ببطءٍ عندما لا نريد الوصول.

احتاجها أحيانًا كي تذكّرني بأنني لا يجب أن أكون وحيدًا طوال الرحلة، وتحتاجني أحيانًا لأنها تكره الوحدة رغم احتياجها الشديد لها، فعلاقةٌ مثل هذه تكون الوحدة فيها هي الثابت الوحيد، ونحن - ككل الحمقى - نظن أننا استثناء ونقول بأننا سنتجاوز.

أعود لوحدتي التي ما فارقتها رغم أنني قد حنثت العهد معها بالوفاء لها دون أية أنثى أخرى. تترفع عني بدلال أربعينيةٍ تتقن فن الغواية، ألتمس رضاها فأمسح رقم المعشوقة الزائفة من الذاكرة المؤقتة للهاتف، ولن أحتاج لمحوه من عقلي لأنني لا اتذكره من الاساس، وليذهب حديثنا الظازج لخططنا الوهمية باستكمال الطريق الوعر سويًا وكل هذه الهراءات للجحيم.

دومًا ما تذكّرني غوايةُ وحدتي بكوارثي القديمة، حين تتلوى مبتعدة عني في دلال ساحبة معها النوم ومسببات الحياة والرغبة في كلِّ شئ، اتذكرهن جميعًا وكأنهن مرصوصات أمامي وتشير وحدتي إليهن دون أن تنطق، ولكنني أفهم كل شئ.. لا أكون غبيًا في هذا الموقف أبدًا، ليس بعد الآن.

أسمعُ من بعيد صوت نواحٍ لجارةٍ فقدت وليدها البارحة، شئٌ من ذاك الأنين يشعرني بالونس، بأنني لست الوحيد من يندب في تلك الليلة، يزاحم أنينَها صوتُ أغنية هابطة، حسنًا. تلك العروس الجديدة ترقص لزوجها قبل أن يندمجا. بعد عدةِ شهور بحدٍ أقصى سأسمع نواح العروس التي لم تعد جديدة وهي تشتكي برد الفراش من زوجها الذي هجرها نازحًا للمقهى كي يشكو لأصدقاءه البائسين نكد الحريم.

حتى وإن كانت زوجته كآسيةِ فرعون، فلابد أن يشتكي، ولو كان هو ناسكًا في محرابها، حتمًا ستلعن سوء حظها وستنوح لأي سبب.

كنتُ مثله يومًا، وربما سأكون ثانية.

نحن كما نحن، وهُنّ كما هُنّ. فلننعم إذًا ببعض الوحدة

طوال عمري كنتُ كما يقول أحد الحمقى : أرغبُ فأفعل.. ثم أدفن وجهي في كفي وأجهش بالبكاء على ما فعلت، طوال سنين لم أحسب المقدار الحقيقي للرحلة الذي سأرتحلها، ليهترئ حذائي ثم قدميّ .. دومًا أعودُ من ترحالي بأقدامٍ دامية، وقلبٍ مهترئ.

لعنةٌ أطلقتها نحوي إحداهن، ولعناتٌ ألقيتُها نحو الأخريات، لم أعد أحسب كم مرة كسرتُ قلبًا أو كم مرة شُتت شملي، لم أعد أشعر بالفرق بين مرارةٍ قولك لإحداهن أنني راحل، وبين مرارة قولها هي لي، المرارة في الحلقوم متشبثة لا فرار

خفَتَ صوتُ الأغاني، حسنًا .. لا أودُّ أن يعلو الصوت الآخر الذي يجب أن يحدث الآن مالم ينم الزوج، لا أودّ لتلك الأصواتِ أن تدنّس الجمال الكامن في نواح الثكلى، تذكرني بنفسي في أوقاتٍ عاهدت نفسي ألا أعود إليها ثانية، مهما كانت قدمي دامية من السير. لم تكن وحدها من فَقَدت، ولكن لم يعلم ذلك أحدٌ غيري

أناجي وحدتي مثلما يفعل رجلٌ اربعيني مستجيبًا لإغواء رفيقته الوفيّة، استكين لها حالمًا بساعات نوم متصل، بلا هاوية أقع فيها منتظرًا حتى الصباح كي أخرج منها لهاويةٍ أقذر وأكثر ظلمة.

إن لم أفز بما أحلم، ربما غفوةٍ صماء تكفي، فجفوني التي لم تغفل منذ أيامٍ لم أعد أحصيها جائعةٌ سترضى بأي لحمٍ وإن كانت مَيْتة.

ربما لم يكن ذاك حالي منذ سنين مضت، ولكن هل كنتُ أنا هنا منذ سنين مضت ؟ كلا بالطبع، ومجرد التفكير في فرضية كهذه لهو محض خرافاتٍ أبشع من خرافات تلك الثكلى التي تظن أن بنواحها ستستكين روحها، أو روح الفقيد التي لن تتذكر شكله بعد أيام

والذي لا تعرفه تلك المرأة أن كل المواساة التي تتلقاها، والطعام الذي يهبط على مائدة العشاء في منزلهم مطهوّاً سينتهي بعد أيامٍ أيضًا، عندما تتبدل طبقات صوت المواسيات من الشفقةِ إلى التلميز والطعن المغلف بابتساماتٍ صفراءٍ كئيبة، بأن تشد من أزرها حتى تفرح بخلفة تعوض الفقيد وتملأ بيتهم المظلم الشاحب بعض الأفراح التي تطرد الغم والحزن، ومن خلف ظهرها وقبل حتى الخروج من باب منزلها تقول أشدُّ المؤازراتِ للبقية وهي تلوي وجهها بأن تلك الخائبة الكسيرة تشعر بأنها فقدت كل شئ، وتعيد تفسير ما يحدث بأنها ليست امرأة على ما يرام أو زوجها ليس على ما يرام ، جسديًا ، المهم أن أحدًا ليس بخير ولذلك حزنها على ابنها الذي هرب بجلده من ذاك المستنقع لم يكن بالحزن الصافي على الضنا بقدر ماهو حزن على فرصة ربما لن تتكرر، وتتكاثر الهمزات واللمزات بين النسوة ثم يتجهن للشكوى من أزواجهن الذين يقضين جل أوقاتهم على المقهى حتى أيام الخميس.

هنا تكمن روعة وحدتي، سر أنوثتها المفرطة التي أسرتني مجبرًا حينًا وطوعًا أحيانا، فهي الأنثى الوحيدة التي لا تشمت ولا تزدري، والوحيد ذكرٌ لم يُشمتُ به مسبقًا - أو ربما اقول لنفسي هذا حتى استجمع بضع قطرات من ماء الوجه الذي تبخر منذ سنين-

ربما لن يشعر أحدٍ بمرارة الفقد إلا من فقد، المفقود لا يشعر بتلك المرارة حتى إلا بعدما يعود. وأنا سئمت وحدتي، في الغالب سأعود لأهاتف احداهن منتصف ليلة الغد بعد صعودي لعدة دركاتٍ من قعر الهاوية في العمل إلى وحدتي الأقل وَحشة، سأعود وربما أرغب وأن أجهز حذاءٍ يتحمل مشقة الرحلة الأخيرة الذي أرغب خوضها، بأن أعود إلى وقتما كان فيه ابن الثكلى، وأتبع نهجه، مع ملاحظة ترك رسالةٍ إلى امي أقول لها فيها لا تفعلي مثلما فعلت جارتك.

طمئنيها فوليدها بخير.