الموت في قاعة التنمية البشرية! ( المقال الفائز بمسابقة التنمية البشرية حقيقة أم وهم؟! )

بسم الله والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسوله صلى الله عليه وسلم وبعد:

كان مبتعثا إلى السودان لمباشرة عمله في إطار التعاون بين دول مياه النيل، وكنا جالسين في المكتب نتابع عملنا، فقطع صمتنا صوت مدير المحفوظات الذي لا تمر شاردة أو واردة إلا من خلاله، فإذا به يتلو علينا خبرا عاديا بخصوص هذا المبتعث الذي أنهى مدة عمله وحانت إجازته السنوية في هذا التاريخ بالذات، وهو نفس اليوم الذي وصل فيه إلى المطار فعلا، إلا أن مدير المحفوظات فاجأنا عندما علق قائلا: "سبحان الله مات في نفس اليوم الذي رتب فيه لعطلته!"، فرحمة الله عليه وعلى أموات المسلمين أجمعين.


كانت هذه هي بداية المحاضرة التي طُلب مني إلقائها في قاعة التنمية البشرية أمام الجمهور، بعد أن أنهينا دورة "مهارات العرض والإلقاء" في مركز الصديق للتنمية البشرية، حيث كان لزاما على كل من حضر أن يقوم بتطبيق عملي لما تعلمه، وكانت خطوة رائدة بالنسبة لنا، أن نكسر حاجز الخوف من الحديث أمام الجماهير، مع تطبيق أساليب الجذب في أول المحاضرة، والتفاعل مع الجمهور باستخدام لغة الجسد ونبرة الصوت والتواصل بالأعين.


 وكانوا من الطرافة بحيث يفتعل بعض الحاضرين أصوات لتشتيت الانتباه؛ لتدريب المحاضر على التصرف حيالها بسكتة طويلة تجبر الطرف المزعج على الكف بعد أن تحولت الأنظار كلها إليه! بعد الانتهاء من الإلقاء يقوم شخص متخصص بتقييمك أمام الحضور لتتعلم من أخطائك، بعد مقارنة أسلوبك مع ما تلقيته من مهارات لتكون على بينة بنفسك ومستواك فتحسنه مستقبلا.


بعد أن انتهيت من المحاضرة في الوقت المحدد والذي كان يمثل تحديا مهاريا آخر، يجبرك على اختيار طريقة للانتهاء تكون سلسلة وغير صادمة مع ترك الجمهور في حالة من الانبهار، خاصة أنه كان في جعبتي الكثير لم أقله، فوجئت بتصفيق أحد الجالسين (وانظر يا رعاك الله لحكم التصفيق بهذه الفتوىفتتابعت بعده أيدي الحضور الكريم، فإذ به الأستاذ عمرو الفص خبير التنمية البشرية والمحفز الماهر، والذي كان من ضمن المعلمين في هذه الدورة، فكان بمثابة الشهادة العملية والتقدير الذي لن أنساه بإذن الله من هذه الزمرة الطيبة.


لم تكن هذه هي المادة الوحيدة في الدورة، فقد تعلمنا أيضا بعض المهارات الأخرى التي أفادتنا كثيرا في الواقع العملي، دعوني أسردها عليكم:

1- مهارة العرض والإلقاء

2- مهارات التواصل

3- كتابة السيرة الذاتية

4- التحفيز

5- إدارة الوقت

6- صفات الشخصية الناجحة


ويا لسعادتي عندما أنهيت هذه الدورة التي تحولت إلى واقع عملي في بعض جوانبها، خاصة عندما خرجت سيرتي الذاتية للحياة لأول مرة، رغم قصر الفترة الزمنية التي قضيتها في حياتي العملية آنذاك، فلم أكن أتصور أن هناك طريقة لكتابة السيرة لمن هم أقل خبرة أو لحديثي التخرج، ولا أنسى التفاف زملائي في المكتب حولي وأنا أشرح لهم طريقة كتابة السيرة الذاتية لاحقا، وكيف تحمس أحدهم وطلب مني مساعدته في إعدادها.


أين المشكلة في التنمية البشرية إذن؟

لا أنسى كيف كانت محاضرات التنمية البشرية كالموضة، التي انتشرت في ذاك الوقت انتشارا غير مسبوق بين الشباب وفي القنوات والمنتديات، إلى أن سقطت في أعينهم وأصبحت مادة للفكاهة والسخرية فيما بعد بل وللنقد الديني أيضا.


وهم التحفيز اللذيذ وصفات الشخص الناجح:

عندما يتكلم محدثك عن تلك التجارب الناجحة، ويدغدغ مشاعرك بأنه آن الأوان لإطلاق العملاق القابع داخلك، وأنك تملك تلك الطاقات الجبارة لتكون مثل هؤلاء يوما، فإنك في الحقيقة تعيش حالة تخديرية بامتياز، حالة تتسم بالنشوة والنصر الزائف، فاجترار نجاحات الآخرين ونسيان أنه كان لابد لهم من سعي دؤوب حتى يصلوا إلى ما وصلوا إليه، وتسليط الضوء فقط على الصورة النهائية لنجاحهم، هو الذي دعا الكثيرين إلى اليأس من الاستفادة بشكل أو بآخر من مسألة التنمية البشرية ككل، فأنت وبعد انتهاء القصة تجد أن الوقت يمر ثم لا يحدث شيء على أرض واقعك.


نعم التحفيز مطلوب ومهم، لكن الخطأ الذي أدى لهذه النقمة على التنمية البشرية في تصوري كان مصدره مزدوجا سواء من المحاضر أو المتلقي ، فالشخص الذي يقف أمامك يطلب منك إطلاق شعلة النشاط ويسرد لك نماذج ربما تكون خارج مجتمعك في ظروف مغايرة تماما، أو من داخل البلد الذي تعيش فيه لكن بإمكانات لا تناسب حال الكثير من شبابنا اقتصاديا على الأقل، فنسيان المحاضر لهذه الفروق هو الذي أذهله عن وضع برنامج تنفيذي يتناسب وواقعنا بمعطياته المختلفة، فمهمته ليست في تحفيزي فقط بل كان ينبغي أن يضعني على أول الطريق العملي، ولا يتركني وهِمتي التي بالتأكيد ستفتر بعد سماع المحاضرة.


أما عن المتلقي والحال كذلك، فكان ينبغي أن يدرك أن عليه دورا هو الآخر في تحويل تلك الدفعة التحفيزية إلى واقع مُعاش، فهو أعلم الناس بالظروف التي حوله بتفاصيلها، وقد فتح له باب الأمل من خلال عرض نماذج بشرية مثله وفي ظروف مختلفة من أجل تحفيزه، والمعنى المطلوب إيصاله سيصل حتما بهذا  النموذج أو ذاك، فما عليه إلا أن يبادر ولا يتواكل، بل ينفض غبار الكسل والركود وينبذ فكرة المصباح السحري الذي سيحقق أمنياته دون سبب منه. راجع إن شئت هذا المقطع (1)


أما الذين يتصورون أن هناك طاقة داخلية ستنطلق وأن عملاقا سيظهر فيحقق أمنياتهم، فالذي أراه أن هذا الهراء ما هو إلا عقائد ضالة دخيلة تسربت إلينا من ديانات شرقية، لن ننخدع حتى لو حاول مروجوها إلباسها ثوب الإسلام الذي دعا ببساطة إلى الأخذ بالأسباب حال توكل العبد على الله.

واقرأ مراجعة الكتاب من هذا الرابط

تقول الدكتورة فوز بنت عبد اللطيف كردي:

 "إلا أن غالب دورات التنمية البشرية في الآونة الأخيرة، تلك الدورات التي تجمع شيئًا من المطلوب المذكور مع كثير من الفلسفة، والمغالطات العلمية، والفرضيات، والنظريات العلمية الخاطئة مع الطرق الباطنية، وربما الطقوس الوثنية، كدورات البرمجة اللغوية العصبية بمختلف أسمائها وتلوناتها ( هندسة نفسية، استراتيجيات العقل )، وغيرها، وكذلك دورات الطاقة البشرية وتشمل الريكي، والشي كونغ، والقراءة التصويرية، وطاقة الألوان وغيرها كثير.


وجميع هذه الدورات تلبس رداء التنمية البشرية زيفًا، وهي المقصودة بالتحذير في هذا الموقع، فقد أفسدت في واقع شباب الأمة وكثير ممن ظاهرهم الخير فيها، وأخذتهم بعيدًا عن منهج الحياة الصحيح.

إلى أن قالت:

أما قضية ربطها بالكتاب والسنة، فهذه مسألة أخرى أشد خطرًا لكونها تغطي فلسفاتها الباطلة بستار من الأدلة، يغطي الحقيقة ويريد الفتنة والتلبيس. أسأل الله العظيم أن يحمي شبابنا منها." (2)


أما عن التنمية البشرية وعلاقتها بالعقل الباطن فقد ورد في موقع الإسلام سؤال وجواب ما نصه:

"الاحتمال الثاني :

استعمال " العقل الباطن " على سبيل " المفهوم الفلسفي الباطني "، بحيث يكون وسيلة للتواصل مع " الوعي الكوني "، يستقي منه معارف خاصة ، وعلوما غيبية ، تماما كما هي نظرية ابن عربي ، الذي قرر مفهوم انعكاس العلوم الغيبية – ومنها علوم اللوح المحفوظ – على النفس الباطنة التي تجردت من عوارض البشرية عبر مجموعة من الخطوات والممارسات .
ولا شك أن هذا باب من أبواب فساد الفكر والتصورات ، وهي أساس العقائد الباطنية المنحرفة ، وسبيل للغواية والضلالة ." (3) 


وفي الأخير وبعد أن استعرضنا هذه المفاسد التي تلبس ثوب التنمية البشرية تارة، أو تتقمص ثوب الإسلام تارة أخرى بهدف تمريرها على عقول المسلمين، لا يسعنا إلا أن ننذر قومنا من المخاطر المتمثلة في تلك الأفكار الدخيلة، والتي كما رأينا قد يؤدي اعتناقها لموت لكن من نوع أخطر من الموت الطبيعي الذي ذكرناه في بداية المقال، ألا وهو موت الدين!


اقرأ الفرق بين التنمية البشرية وتنمية الموارد البشرية في هذا المقال


المصادر:

1- شاهد "هل التنمية البشرية نصب؟ لـ كريم إسماعيل

2- علم التنمية البشرية في منظار الشرع 

3- فتوى عن التنمية البشرية والعقل الباطن 

4- تحميل كتاب خرافة السر قراءة تحليلية لكتاب ( السر) و ( قانون الجذب ) لعبد الله بن صالح العجيري 

5- دورات العلاج بالطاقة تقويم من الداخل د فوز بنت عبد اللطيف وبالموقع آراء لأهل العلم الكبار

6- ما هو الفرق بين التنمية البشرية والcoaching وهل الcoaching هو السبوبة البديلة للتنمية البشرية؟

7- متى أذهب لمدرب؟! ما معنى مدرب حياة مهنية؟!