على موعد مع المجد!

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنها العاشرة مساءا في أحد شوارع العاصمة، تكاد الحركة أن تنعدم لولا بصيص من الأمل يبدوا كل حين عبر تلك الأمتار القليلة التي تقطعها الحافلات إلى الأمام بين الفينة والأخرى، نظر الدكتور إبراهيم إلى ساعته في قلق وهو يربت بأنامله على ركبته ويطلق زفرة تعبر عن ضجره من هذا الزحام.


نظر إليه سائقه الخاص من المرآة الأمامية وعيناه ترقبان حركاته المتوترة فحاول أن يخفف عنه قائلا:

بقي القليل يا سيدي، بعد أن نعبر الميدان سيتبقى شارعان ونصل إلى وجهتنا بإذن الله

نظر إليه بغير اكتراث فقال له وكأنه يعاتبه:

تعلم يا محمود هذه الطاقات البشرية، لو قام أحد باستثمارها على الوجه الأمثل لما وجدت زحاما في مثل هذا الوقت.

نظر إليه محمود نظرة موافقة وهم ببعض الكلمات، لكن الدكتور أرجع رأسه إلى الخلف وتابع بنبرة تحمل الأسى:

أحيانا كثيرة أشعر بأن محاضراتي في تحفيز الناس، ومحاولة تفجير قدراتهم تذهب في الهواء، لكن لولا هؤلاء الشباب الذين يلاحقونني في كل مكان لتقاعدت منذ زمن.

قال محمود وهو يهم بالضغط على دواسة الوقود:

نعم بالضبط سيدي هذا هو ما نتوقعه، نفعنا الله بعلمك، فأنت من علمتنا ألا نيأس أبدا..

قطع صوته ذلك الهتاف الجماعي، وبدأت ملامح وجهه في التغير؛ فاندهش الدكتور من هذا التبدل المفاجئ ونظر إليه متسائلا! فقال له وصوته يخرج متحشرجا: سيدي.. لقد انتهت المباراة قبل أن نصل إلى الميدان.

قال له الدكتور متعجبا: وماذا في ذلك؟!

نظر إليه محمود نظرة هلع وقال: سيدي.. هذا يعني أن الجماهير زحفت بالفعل من أجل الاحتفال!


بعد أن صلى العشاء، تقدم أحمد ذلك الشاب الأنيق القادم من أطراف المدينة، وهو يتأمل جدران هذا المسرح العريق الذي عُلقت بداخل أروقته صور هؤلاء المشاهير الذين التقوا بجماهيرهم العريضة على متنه، عدل من نظارته وهو يقف أمام لوحة الدكتور إبراهيم بطل الحفل، وهمس في نفسه قائلا: لطالما انتظرتك.


في الداخل توجه إلى مقعده في الجزء الأوسط من القاعة، وأخذ يرص أدواته البسيطة أمام ناظريه، فهذا هو آخر كتاب للدكتور، وهذا مسجل الصوت، وهذه المذكرة التي يدون فيها ملاحظاته، فقد اعتاد ألا تمر معلومة إلا ودونها في نقاط ليعود إليها فيما بعد، بل لا يكون مبالغا إن ادعى أنه يحفظ كل محاضرات الدكتور إبراهيم تقريبا، وهو ما ترك أثرا بالغا في تغيير حياته، فكم كان سيء الحفظ ضعيف التركيز لا يملك هدفا ويذهب وقته سُدىً، لكنه بفضل الله تغلب على كل هذه الصعاب بعد أن تعرف على الدكتور وبقيت لديه نقطة واحدة فشل في التغلب عليها، لذا فقد فرح فرحا شديدا لما علم أن محاضرة الليلة عن هذه النقطة بالذات.


في هذه الأثناء كان منتج الحفل ينظر في ساعته بقلق بالغ، فعقد اجتماعا بفريق العمل خلف خشبة المسرح؛ ليطمئن منهم على سير الأمور، فجاءه أحدهم بورقة صغيرة فاختطفها من يده وقرأها بتوتر؛ فنظروا إليه نظرة تساؤل! فقال بصوت خفيض: 

يبدوا أننا وقعنا في موقف لا نُحسد عليه، فالدكتور محبوس وسط مشجعي الكرة، ولن يستطيع القدوم في وقت قريب.

قال له مساعده وقد نزل عليه الخبر كالصاعقة: ما العمل إذن يا سيدي؟!

نظر إليه في هدوء مصطنع وهو يشير إليهم بيده:

ابدءوا بتقديم فقرات إلهائية لكسب المزيد من الوقت، تتحدث عن فن الإلقاء وكسر حاجز الخوف، فهو الموضوع الذي كان سيتكلم فيه.

ثم قال بنبرة قاسية:

ولا أريد أن يتسرب هذا الخبر لأحد، مفهوم؟

رد الجميع:

مفهوم سيدي

تابعهم وهم يتوجهون إلى مهامهم، ونظر إلى المخرج المنشغل أمام الشاشات؛ فاتسعت عيناه من الدهشة، فقد كان ما يراه مذهلا، مذهلا بحق.


في الخارج بدأ الحضور يتهامسون فيما بينهم بعد أن توقعوا إلغاء الحفل، الأمر الذي أغضبهم كثيرا، ولم يقطع حبل أفكارهم إلا صوت المذياع الداخلي يذيع خبر وجود الدكتور إبراهيم:

معنا الآن الدكتور إبراهيم الخبير العالمي في التحفيز وبناء الذات، فليتفضل مشكورا.


عمّ شعور بالفرحة؛ فَعَلا صوت التصفيق وانطفأت الأضواء، وانطلق شعاعان من الضوء على جانبي المسرح بطريقة استعراضية حتى سقط شعاع أوحد على هذا الشخص الجالس في المنتصف تماما، والذي رآه المنتج على الشاشة التي تُصور الحضور، فذُهل لمّا رأى هذا الشبه الكبير بينه وبين والدكتور إبراهيم، فقال له المخرج:

أعرفه هذا من أتباع الدكتور، دائما ما أراه يأتي في كل مرة إلى هنا.


فوجئ أحمد بأنه الشخص المقصود، فلم يفق من الصدمة إلا والعيون تحاصره وهؤلاء الوصفاء يحيطون به من الجانبين؛ ظنا منهم أنه الدكتور إبراهيم، فوجد نفسه متجها إلى خشبة المسرح والأضواء مسلطة عليه، وهتافات الجماهير المتلهفة تعلوا وتزداد انبهارا بهذه الطريقة الجديدة، حاول أن يستغيث فوجد المنتج ينظر إليه بغضب آمرا له أن يبدأ في الحديث، فنظر إلى الجمهور المتطلع، بعد أن أُسقط في يده وفهم ما حدث.

كان هذا آخر شيء يتمناه، أن يواجه الجماهير يوما ما، كيف وهو لا يحب الظهور، ويدق قلبه إذا تكلم أمام الناس، فإذا به يجد نفسه بديلا لبطله المفوه، دار هذا في عقله في لحظات خاطفة، وانتبه على صوت الصمت القاتل الذي يُنتظر منه أن يقطعه، والأضواء تسقط على وجهه الشبيه بوجه الدكتور، فرفع رأسه إلى الأمام وبدأ يتمتم ببعض الأدعية وهو يتذكر تلك الكلمات التي أثرت فيه في إحدى المحاضرات، فأمسك المكبر بكلتا يديه وأغمض عينيه وبدأ يحاول بكلمات بسيطة:

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:

"كل واحد منا يحيا لتحقيق حلمه أو يحيا خائفا من تحقيقه

هل تعرفون أين تذهب معظم هذه الأحلام؟!

معظم أحلامنا في المقابر، فالناس تموت ومعهم أفكارهم الرائعة!"

بدأ يتقمص شخص الدكتور، ويقلد لغة جسده وهو يتحرك يمينا وشمالا، والجمهور ينظر إليه في شغف، حتى بدأت نبرات صوته تعلوا وهو يقول:

"نحن بحاجة لأحلامنا، لأن أي شيء نستمتع به اليوم كان حلما لأحدهم في يوم من الأيام

سَتُقابل تحديات أكثر مما تتخيل في سبيل تحقيق حلمك

التحدي لم يأت في حياتك ليُتعبك!

لكن ليعلمك ويأخذك إلى المرحلة التالية من رحلة حياتك، ليكون عندك قوة أكثر مما أنت فيه اليوم"

أحس في هذه اللحظة بالدماء تسري في عروقه، فنظر إلى تلك العيون التي تتوق إلى الأمل، فصاح وقد ملكته الثقة:

"تذكر أن الشتاء هو بداية الصيف، وأن الليل مع جماله هو بداية النهار

والتحديات بداية القوة.. والتفاؤل بداية الخير"


في نفس اللحظة علا صوت تصفيق منفرد، فاتجهت الأضواء والأعين إلى مصدر الصوت، فإذا به شخص يقترب من المسرح في هدوء، مرتديا قميصا رياضيا لأحد المشجعين، والناس تنظر في ذهول إلى وجهه الذي بدا وهو يتجه إلى خشبة المسرح، حتى دنا من أحمد وهو يشير إليه بأن يستمر في حديثه، فسقطت هالتان من الضوء الباهر عليهما؛ فأمسى الناس يتعجبون من هذا الشبه الكبير بينهما، فبدأت همهماتهم تعلوا وتساؤلاتهم تزداد، حتى قطع حيرتهم صوت الدكتور إبراهيم:

في الحقيقة أنا أحيي هذا الشاب الخلوق وأطلب منكم أن تستمعوا إليه، فلندعه يكمل..

هنا تشجع أحمد من هذا الثناء وقال في تواضع:

جزاك الله خيرا فأنت من علمتني معنى النجاح

ثم نظر إلى الحضور وقد زاد حماسه فرفع يده مشجعا بأعلى صوت:

"والأمل هو بداية الروعة

لذا عش كل لحظة بحبك لله

عش بالتطبع بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم

عش بالتفاؤل عش بالكفاح عش بالأمل

عش بالفعل

وعش.. بالحب

وقدر قيمة الحياة"

وانطلق مستخدما كل قدراته التي كانت مُخفاة، وأمسك بعمود المكبر  بكلتا يديه في حماس زاده اشتعالا صوت الجماهير الهادر، ونظرات الإعجاب التي تحوطه من كل جانب؛ فخفق قلبه بشدة وهو يشاهد هذا اليوم الذي أصبح فيه بطلا يشار إليه بالبنان.

"يا أستاذ .. من فضلك يا أخ "

نظر أحمد بانزعاج تجاه الصوت وقد ضاقت عينيه من أثر الضوء، فإذ بعامل النظافة يوقظه من نومه بعد أن اعتذر الدكتور عن الحضور وانصرف الناس، وبقي هو وحيدا في انتظاره، فانتبه فأبعد قبضته عن عصا المكنسة وتركها للرجل، واعتذر بلطف وقام وهو يبتسم وفي قلبه شعور جديد بالأمل.


المصادر:

الكلمات التحفيزية من د إبراهيم الفقي رحمه الله بتصرف