لا تزال ذكرى الكبش المقيّد المعصّب العينين تزورني، شعور يلازمني دائما بأني سائر نحو نفس المصير، يُعار الكبش يصم الآذان، وكنا في سباق مع الزمن ونحن نتجه إلى مصدر الصوت، سمعنا نباح الكلاب التي أحاطت بالكبش المرعوب، كان معصوب العينين مربوط الأطراف الأربعة كلٌ بوتد!

لحظات ووقع الكبش جثة هامدة من الرعب، فانصرفت الكلاب مع أصحابها.

إن القلوب مثل الخيام إذا خُلعت أوتادها أو كُسرت أعمدتها فمصيرها الانهيار.


ذات يوم كانت أمي تنظف سطح خزانة الكتب في غرفة الضيوف فوجدت كيسا، ففتحته فإذ بجمجمة أمامها، صرخت مفزوعة رامية الجمجمة إلى أعلى، لكنها بعد خطوات تعثرت، ووقعت على الأرض في اللحظة التي تدحرجت فيها الجمجمة واستقرت أمام عينيها، جئنا وجاء أبي مسرعا، دخل ولم يكلمه أحد، نظر إلينا فأشار أخي الكبير عوض إلى الجمجمة، فحملها أبي وقال:

- لقد أخفيتها جيدا... كنت سأدفنها في إحدى المقابر بعد أيام...


مرت أيام على تلك الحادثة فسألت أمي عن سبب شرود ذهنها في ذلك اليوم؟

قالت بعد صمت وتردد:

تذكرت اليوم الذي شكّل انقلابا في حياة طفلة كانت آمنة مطمئنة، كنت أسمع صوت الرصاص يدوّي في مدينة القدس، وفجأة رأيت الجنود اليهود يقفون في ساحات المسجد الأقصى، وما هي إلا ساعات حتى جاء رجل يحمل أبي على ظهره شهيدا.

كانت أمي تٌشربني منذ الصغر كؤوس الخوف والقلق دون أن تشعر، ودون أن أشعر أنا أيضا.


بعد موت أخي وصلت إلى الجامعة وأنا ممتلئ بشعور من الخوف والقلق، وسرت في حياتي الجامعية في تخصص اللغة العربية، ويسّر الله لي عبد المجيد الذي كنت معجبا بكلماته كثيرا.

لكن المخاوف بدأت تظهر عندما لاحظت أن كلامه تغلب عليه الصبغة السياسية، وكنت غير مستعد حينها لسماع أي انتقاد للسلطة!

فكان يقول:

- لدينا في العالم العربي كل مقومات القوة والوحدة..لكن نخبنا السياسية قدّمت مصالحها الضيقة على مصالح بلادها، هذه النخب قدّمت ولائها للمستعمر على ولائها لشعوبها..

اقتربنا من المسجد فقلت له:

- ما رأيك أن نصلي معا؟

كانت هذه أول مرة أدعو فيها عبد المجيد إلى الصلاة ولكنه اعتذر قائلا:

- اذهب أنت، وسأنتظرك هنا!

ذهبت إلى المسجد وقلبي يخفق، فأنا ما زلت غير مستعد لسماع أي انتقاد للسلطة، لكني تحملت لئلا أفقد صاحبي، وقد علمتني هذه التجربة الكثير، وأهم ما تعلمته أنه "كلما زادت شدة المواجهة مع الخوف، وزادت مدتها ازدادت قدرتي على السيطرة على الخوف وبالتالي التغلب عليه".


تخرجت من الجامعة بفضل الله، وبدأت أجد الوقت للخروج مع أبي، وفي أثناء عودتنا إلى البيت رأيت أحمد الأخ الأصغر لعبد المجيد مع شاب يخرجان من إحدى العمارات، سلمت عليهما فانصرفا، وبقي والدي واقفا أمام العمارة وعيناه لا تفارقان أسفلها، أشار والدي إليها وقال:

- تحت هذه العمارة كانت الجمجمة مدفونة، تلك الجمجمة التي أتيت بها إلى البيت وأنت في الثانوية.

- غريب ما الذي أتي بجمجمة إلى منطقة خالية من المقابر؟!


بعدها بأيام قليلة كنت على موعد مع صديق والدي مدير مدرسة خاصة في عمان الغربية، واتفقنا على أن تعيرني المدرسة كتب اللغة العربية لجميع الصفوف حتى أنتهي منها قبل بدء الدراسة!

بعد الانتهاء من الكتب قابلت المدير، وقدمت له تقريرا عن الأخطاء  التي وجدتها، تم شكري وتكليفي بشكل رسمي بمراجعة كتب اللغة العربية كل عام.


اتصلت بالدكتور صالح لترتيب تدريس حفيده، بعد أن وصلنا قال لي:

- في هذه العمارة الطالب الذي سوف تدرّسه..

- هذه العمارة تلاحقني منذ سنين

- كيف ذلك؟

- والدي وجد جمجمة في الأرض التي بُنيت فوقها العمارة

ظهرت آثار الدهشة على الدكتور صالح، سألني:

- هل أنت متأكد؟

- دكتور صالح..أنت تخيفني ..هل تعلم من صاحب الجمجمة؟

- نعم أعلم ولكن أرجوك أن تخبرني بقصة الجمجمة وما علاقتك بها؟

بعد أن وصلنا إلى قبر الجمجمة آخذ يترحم ويقول:

- هذه جمجمة رجل صالح، كان  والدي شريكا لعمي في محل لبيع التحف في وسط عمان،  لكنه رفض أن يبيع تابوتا أثريا، لما علم أن التجار يعملون مع اليهود، وأن التابوت سيتم تحويله إلى آثر عبري، لكن عمي أصر على بيع التابوت، فقام عمي بحفر قبر، وقام بتهديد والدي بربطه ورميه في القبر وإهالة التراب عليه بقصد التخويف فقط حتى يبوح بمكان التابوت، لكن والدي لم يعترف وكان يرد بكلمة واحدة: "لن أساهم في طعن أمتي".

فوقع الفأس فوق رأسه فمات رحمه الله، ودفنه عمي في هذا المكان خشية اكتشاف الأمر.


بدأ العام الدراسي ، وكعادتي أقوم بمراجعة كتب اللغة العربية، فوجئت بأن تغيّرا في المناهج كان واضحا هذا العام، وهو حذف الكثير من الآيات والأحاديث من مناهج اللغة العربية، أحضرت المناهج السابقة وقارنت بينها، كان الفرق صادما.

بعد جهد كبير كتبت تقريرا شاملا وقدمته لإدارة المدرسة، وبعد يومين استدعيت إلى مكتب المدير، وطلب مني عدم نشر التقرير نهائيا وإلا فمصيري الفصل!

- فقداني لوظيفتي وأنا رجل أعزب شيء يمكنني احتماله ولكن إدارة المدرسة تتوقع أن نشر التقرير سيوصلني إلى السجن.

عبد المجيد:

- لا أتوقع أن تصل الأمور إلى السجن، ولكن إن سجنت فيجب أن تصبر، عليك أن تنشر التقرير وتتحمل تبعاته..استعن بالله ولا تعجز


بعد أيام جاءني أحمد أخو عبد المجيد يطلب مني أن أقابل شخصا كان على علاقة بعبدة الشيطان ويريد مني أن أنير له طريق التوبة والإيمان، لم يصعب علي أن أعرف أنه رائد، قلت له:

- هل تحسن فن المواجهة؟

- أريد أن تساعدني في شيء واحد وهو ألا يبقى في قلبي خوف إلا من الله فقط

هزني كلامه فقلت له:

- ربما نستطيع معا أن لا نُبقي في قلوبنا سوى الخوف من الله، ولكن عليّ القيام بعمل ضروري لا يمكن تأجيله

بعد الانتهاء أخرجت جوالي وبعثت رسالة إلى عبد المجيد تقول:

- لقد نُشر التقرير 


كان القتل هو مصير أحمد ورائد، إذا اكتشف أمرهما، فقد تورطا في تهريب الآثار!

ذهبنا إلى الغابة واستخرجنا رمانة العاج، ما أجملها ولكن عندما أتخيلها رأس صولجان كبير كهنة الهيكل الذي سيقام على أنقاض المسجد الأقصى تبدو في منتهى البشاعة.

 تسليمها لليهود ليوظفوها في هدم الأقصى وبناء الهيكل جريمة لا نستطيع اقترافها.

ذهبنا إلى السد، اخترنا موقعا بعيدا، وقلت بعد أن أشعلت مصباح هاتفي:

- هذا وقت إلقاء النظرة الأخيرة على الرمانة

تأمل الجميع الرمانة..

 قلت:

- وضعت في الحقيبة ثلاثة كيلو من الحديد، حتى أضمن غرقها 

اختلقت أني أرد على الهاتف، وسرت نحو سيارتي على عجل حاملا سلتي، نحو هدف محدد..

إلى القبر الذي ترقد فيه الجمجمة، وما أن أوقفت السيارة حتى انفلت اللهاث من أحشائي، خرجت من السيارة وتأكدت من وجود رمانة العاج الحقيقية، وسرت نحو قبر الجمجمة، نظرت خلفي فتراءت لي سيارة ساكنة معتمة، لكني واصلت السير، حفرت القبر حتى ظهرت الجمجمة، ووضعت رمانة العاج بجانبها.


تأملتُ رمانة العاج ثم تأملت الجمجمة، فتخيلت صاحب الجمجمة والتراب يهال عليه قائلا: "لن أساهم في طعن أمتي".

وفي تلك اللحظة سمعت صوتا خلفي، فرأيت شبحا يقترب شيئا فشيئا فتسمرت مكاني، وإذا بالشبح يقول:

- توقعت مجيئك هنا، أريد أن أرى رمانة العاج..

- عبد المجيد! كم تمنيت أن تكون بجانبي..لم أخبرك خوفا عليك، قبلت أن أتجرع الخوف وحدي

دفنّا الجمجمة مع الرمانة بعد أن ودعناها للمرة الأخيرة وقفلنا عائدين.

 قلت:

- هل تعلم أنني أشعر وكأني في حلم، لا أصدق أنني تصرفت بهذه الشجاعة

- القلوب المؤمنة أقوى من الانهيار


سرت في سيارتي وخلفي عبد المجيد في سيارته، وفي الطريق مررت بالمكان الذي مات فيه الكبش، توقفت والفجر يوشك على الظهور، وسرتُ نحو مصرع الكبش، فوجدت جمجمته وبقايا عظامه، ثم تحسست الأوتاد والحبال اللاتي أوثق بها، ثم وقع نظري على قطعة القماش التي عصبت بها عيناه، أحسست بيد عبد المجيد على كتفي، أخبرته أنني كنت دائما أخشى أن يكون مصيري مثل مصير الكبش..

قال وهو يربت على كتفي:

- قلت لك.. القلوب المؤمنة أقوى من الانهيار

حملت جمجمة الكبش بيد والعصابة السوداء بيد، بينما حمل عبد المجيد الأوتاد المربوطة بالحبال بكل يد وتدين، والفجر يلوح أمامنا...

لتحميل الرواية