كثر الحديث عن فيروس كورونا covid-19 الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. وتكلم العلماء في أرجاء الأرض من الأطباء وذوي الاختصاص -ومن لا علم لديه ولا اختصاص أيضا- عن كورونا covid-19. فما العلاقة بين كورونا covid-19 ووسطية الإسلام؟

تناولت كل وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة موضوع فيروس كورونا بالتحليل والتحذير وتوجيه النصائح وعرض التدابير الوقائية منه، وتوضيح الإجراءات الاحترازية، وكيفية التعامل معه قبل وبعد انتشاره وغير ذلك.

كورونا covid-19 والعالم العربي

ولم يكن عالمنا العربي بمعزل عن موضوع كورونا فقد قتلناه كلاما -كعادتنا في كل شيء، إلا من رحم الله وألهمه الصواب- وتناثرت في الفضاء المعلوماتي وصفات الطب المختلفة، ونظريات المؤمرات السياسية، وتحليلات المجتمع المدني، وفتاوى الدين، وقصص التاريخ، وتأثير الجغرافيا، والخزعبلات وكل ما يخطر في البال.

ضجيج -وهو ضجيج له مبرره- صم الآذان وجعل الناس ما بين خائف ذاهل، ومتهاون جاهل، وعالم مناضل، وحذر عامل. وفي وسط هذا الضجيج تعالت أصوات فئة من الناس في عالمنا العربي يتذمر من -أو يعترض على- ويتهاون بالإجراءات الاحترازية والوقائية -مثل البقاء في البيت وإغلاق المساجد وحظر التجول- بحجة أنه "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".

هذه الفئة تنسى أن:

الذي قال -عز وجل-: "وما النصر إلا من عند الله"، قال أيضا: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة".

والذي قال -سبحانه وتعالى-: "أينما تكونوا يدرككم الموت"، قال أيضا: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".

والذي قال -تقدس اسمه-: "أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة"، قال أيضا: "وخذوا حذركم".

والذي قال -تعالى جده-: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب"، قال أيضا: "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه".

والذي قال -لا إله غيره-: "وكلوا واشربوا"، قال أيضا: " ولا تسرفوا".

والذي قال -ربي لا شريك له-: "وتعانوا على البر والتقوى"، قال أيضا: "إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه".

والذي قال -صلى الله عليه وسلم: "جفت الأقلام ورفعت الصحف"، قال أيضا: "إن الله أنزل الداء وأنزل معه الدواء، علمه من علمه وجهله من جهله، فتداووا يا عباد الله".

والذي قال -بأبي هو أمي-: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير"، قال أيضا: "اعقلها وتوكل".

والذي قال -رحمة الله للعالمين: "لا عدوى ولا طيرة"، قال أيضا: "لا توردوا ممرض على مصح".

أو كما قال صلوات ربي وسلامه عليه.

كورونا covid-19 ووسطية الإسلام

هذه هي وسطية الإسلام وبها يجب أن نتعامل مع كورونا covid-19. لا إفراط ولا تفريط. توكل على الله رب الأسباب مع أخذ بالأسباب. وكما قال أحد المشايخ: (لو نزل مسلم وكافر للبحر، وكان الكافر يتقن السباحة والمسلم لا يتقنها، غرق المسلم ونجا الكافر). وإن تعلم الكافر وبقي المسلم على جهله تطور مجتمع الكافر وتخلف مجتمع المسلم. و"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نزل الرماة من الجبل يوم أحد فحلت الهزيمة بجيش المسلمين. واتخذوا من الخندق وسيلة صد ودفاع مع الصبر فاستحقوا النصر والظفر. دون العرب الكتب، وتعلموا علوم الأولين من شعوب الأرض، وترجموا ما وجدوا في جعبة حضاراتهم فسادوا الدنيا ودانت لهم شعوبها، ثم لما انشغلوا بالسفاسف ودنيات الأمور وسلبوا العلم والعمل منحوا الجدل وصاروا إلى مؤخرة الركب الحضاري وذلوا وهانوا والله لا يبدل ما بقوم حتى يبدلوا ما بأنفسهم .

هي سنن الله في الكون ولن تحابي أحدا ولا تجامل دينا أو عقيدة، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا. ولذا أقول وسطية الإسلام هي الحل لردع كورونا covid-19 ولا عذر بالجهل.

قارئي الكريم: إنَّ "صلوا في رحالكم" بدأت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في بيوتهم، ولم يقولوا أن الله غضب عليهم بسبب الذنوب والمعاصي، ولم يتباكوا على إفراغ المسجد من المصلين بل أطاعوا وأخذوا بالرخصة هذا و"صلوا في رحالكم" كانت وقت مطر فكيف لو كان وباء؟ وطاعون عمواس فتك بالكثير من الصحابة ومنهم أمين هذه الأمة أبوعبيدة بن الجراح. فلا داعي لجلد الذات بسبب الذنوب والمعاصي ف"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها".

لا أقول أننا بلا ذنوب ولا أنكر "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" ولكني أعلم علم اليقين أنه "يعفُ عن كثير". فلنصبر ونستغفر الله وندعوه لكشف بلاء كورونا covid-19 مع أخذ الإجراءات الاحترازية والوقائية ونسأل الله الفرج والشفاء لمن أصيب به.

قبل الختام لدي سؤال: لو مرض أحد -مثلا- بمرض الملاريا أو الكوليرا، هل يتبع تعليمات الأطباء ويتناول الأدوية واللقاحات، ويتجنب ما يزيد من تفاقم مرضه، ويحاول ألا ينقل العدوى لأسرته أو غيرهم، أم يقول "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"؟ أَوَ ليس البلاء والمرض مما كتب لنا وعلينا؟ أترك الإجابة لك قارئي الكريم.


كورونا covid-19 أخطر جائحة في التاريخ البشري

جائحة كورونا covid-19 العالمية تعتبر أخطر جائحة منذ 100عام، ومقارنةً مع التقدم العلمي الحديث في مجال الطب والصحة فقد تعتبر هذه الجائحة أخطر جائحة في التاريخ البشري. لذا فإن التهاون والاستسهال في التعامل معها وعدم اتباع تعليمات منظمة الصحة العالمية باتخاذ الإجراءت الوقائية والاحترازية منها يصبح في حكم الجنون، فإن لم تكن أنت الضحية -لا قدر الله- فقد يصبح أحد أقرب الناس إليك.

نستطيع التغلب على كورونا covid-19 بتعاملنا بفكر وعقلية ومنطق وعلم وسطية الإسلام. فهل نحن منتهون؟