إن الكتابة عن أهل العلم لفخار وشرف، وما أحد من أهل العلم إلا بفضل الشيخ قد اعترف، عفا الله عن زلات البيان، وما قصر فيه القلم أو اقترف، فعلم الشيخ معين صاف، وقول شاف، وكلٌ من علمه قد اغترف .

أنصفه أهل الإنصاف، واعترف بفضله أهل الخلاف، عم علمه الجبل والسهل، ورفع بعلمه شوائب الجهل، وأفاد الرجل والمرأة والشيخ والكهل .

نقي السيرة، طاهر السريرة، حامل للخير، بعيد عن كل ما يعقب الضير، أسكنه الله الفردوس يمرح في حواصل خضر الطير .

شاع في الآفاق ذكره، واستقام على كتاب الله وسنة نبيه قلمه ومنهجه وفكره، عاش حياته بعيدا عن المناصب متحريا الحلال، منافحا عن كتاب الله وسنة نبيه راجما بعلمه أهل الزيغ والضلال .

إن كان في العلم قد برع، فقد حوى قلبا تقيا نقيا عامرا بالخوف والورع، وفي ترجمته جرى القلم وشرع .

ترجمة الشيخ: هو العالم الرباني، فقيه اللغة، علامة العربية: الأستاذ بالسليقة، الدكتور عن حقيقة، الشيخ عن منهج وطريقة: محمد حسن حسن جبل .

ولد : في قرية عتيدة، وتدعى: تيدة، من قرى مركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ .

ولد : في العاشر من شهر مارس سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة وألف، وأتم حفظ كتاب الله؛ فحفظه الله بكتابه .

التحق الشيخ (رحمه الله) بمعهد دسوق وأتم الابتدائية هناك، وانتقل بعدها إلى المعهد الأحمدي بطنطا ليتم هناك دراسته الثانوية، فانتقل من جوار ولي إلى جوار ولي، ومن جاور الأولياء انتفع بهم؛ فهم القوم لا يخيب أنيسهم، ولا يشقى بهم جليسهم .

وقد جمع الشيخ في حياته كثيرا بين الحسنيين: فبرع في علوم الكتاب، والسنة، واللغة، والأدب، والفلسفة، والاجتماع، حصل الشيخ على الثانويتين: الأزهرية والعامة، والتحق بكليتين: اللغة العربية، وحصل على الشهادة العالمية بتقدير جيد جدا، وحصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة والاجتماع بتقدير جيد .

وحصل على دبلومتين في التربية من جامعة عين شمس: إحداها دبلومة عامة، والأخرى خاصة، وهكذا كان الشيخ مربيا للعوام والخواص، ولعل الله نفع بعلمه لما كان في قلبه من الإخلاص .

وهكذا هم أهل القمم، لهم ما يليق بهم من قوة البأس وعلو الهمم، شدوا العمائم، وتسلحوا بالصبر الدائم، لا يرجون الربح ولا المناصب ولا جمع الغنائم .

وقد أتم الشيخ (رحمه الله) دراسته، وحصل على الماجستير في سنتين، وأتبعها بالحصول على الدكتوراة في تسع سنين، وقد كانت رسالته في تخصص أصول اللغة، وكانت رسالته بعنوان: أصول معاني ألفاظ القرآن الكريم .

عمل الشيخ معلما للغة العربية مدة عشرين سنة، وقد كان في عمله مجيدا مفيدا، وقد أعير مرتين في تلك المدة: إحداها إلى سيراليون، والأخرى إلى: نيجيريا، فدعا إلى الله على بصيرة من الله وبينة وهدى، وأزال البدعة والضلال وأزاح ستائر الجهل والردى .

وقد ازددت حبا في مدينتي مدينة المنصورة لما عرفت أن الشيخ قد استقر في كلية اللغة العربية بالمنصورة وعمل بها دهرا، ودفع لها من علمه النفيس مهرا، فعمل بها مدرسا، وأستاذا مساعدا، وأستاذا، ووكيلا، وعميدا، وأستاذا متفرغا، فلا أدري أيهما تقلب في المناصب؟ الشيخ أم الكلية؟ فكم من طالب بعلمه قد انتفع، وكم من منصب تقلده الشيخ فارتفع، أعني الشيخ لا المناصب، فعلم الشيخ دونه كل المكاسب .

وكما بدأ الشيخ (رحمه الله) حياته مع كتاب الله، ختم رسالته مع كتاب الله، فعمل بكلية القرآن الكريم بطنطا أربعة عشر عاما، حتى توفاه الله في الرابع والعشرين من شهر مارس سنة خمس عشرة وألفين، فرضي الله عنه وألحقه بالصالحين، وألحقه إلى جوار النبيين والصديقين، والشهداء والأولياء والصالحين .

مؤلفات الشيخ:

للشيخ (رحمه الله) نتاج علمي عز أن يجتمع مثله لعالم من المتأخرين، وأحسب أن نتاجه العلمي كان فتحا من الله عليه، وأذكر لكم بعض ما وقفت عليه:

له كتاب "المختصر في أصوات اللغة العربية" حرر فيه مخارج الأصوات، وبين ما لها من الصفات .

وله كتاب "المعنى اللغوي" أصّل فيه لنظرية عربية في "المعنى"، عرض لها عرضا بديعا، وجعلها أمام غيرها من نظريات الغرب سدا منيعا .

وله كتاب "علم الاشتقاق" وفيه لهذا العلم وحدوده ومسائله بيان تام، فلا يستغني عنه باحث في هذا الباب؛ فهو للعالم وطالب العلم كتاب هام .

وله كتاب "علم فقه اللغة" أصل فيه لهذا العلم، وبين مباحثه، ودفع عنه شبهة أنه "فن" لا "علم" .

وله كتاب "الاستدراك على المعاجم العربية" استدراك غير مسبوق على أكبر معجمين عربيين (لسان العرب لابن منظور، وتاج العروس للزبيدي) .

وله كتاب "وثاقة نقل النص القرآني من رسول الله إلى أمته" وعيَّن فيه عددًا من الصحابة الذين عرضوا القرآن الكريم على النبي (صلى الله عليه وسلم)، ممن لم يذكروا في هذا الصدد من قبل، وحدّد صور تبليغ النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن الكريم لأصحابه شفهيًا .

وله كتاب "التلقي والأداء في القراءات القرآنية" الذي حرّر فيه بعض مصطلحات هذا الفن، وحرَّر فيه المشكلات، الخاصة بأداء بعض الأصوات .

وله  كتاب "القضية القرآنية الكبرى: حديث نزول القرآن على سبعة أحرف". وضع فيه تفسيرا علميا رصينا مؤصلا لهذا الحديث الذي كثر الكلام حول تفسيره بين القدماء والمحدثين دون حسم .

وله  كتاب "المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم" الذي صدر في أربعة مجلدات كبيرة، وهو المعجم الذي أصّل فيه تأصيلاً علميًا لغويًا لمعاني ألفاظ القرآن الكريم .

وما أحسبني وفيت الشيخ حقه في الترجمة وما أنصفته، ولا بجميل القول والفعل قد وصفته، فكل ما قيل فيه دون قدره، ولم أمدح الشيخ بما ليس فيه، ومهما قلت في مدحه فلا يكفيه، وأختم متمثلا بقول عالم كان للشيخ من المحبين: اللهم إن أحيا غيرنا ذكر الفاسدين؛ فأحي بنا ذكر الصالحين!

كتاب المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم :

كانت رسالة الدكتوراة التي حصل عليها الشيخ سنة ست وسبعين وتسعمائة وألف بعنوان: "أصول معاني ألفاظ القرآن الكريم" أساس هذا العمل، وقد راجعها الشيخ، وأضاف إليها كثيرا حتى تم البدر واكتمل، ضبط فيها المعاني، وبين محاورها، ووثقها، وأصلها، وفسرها، وربط بينها، وأهدى مفاتيحا لفقه اللغة، وعلى خير كثير وعلم غزير قد اشتمل .

لكل عالم من العلماء الأوائل عمل يذكر إن ذكر صاحبه أو العكس، وهذا هو عمل الشيخ الذي شاع ذكره في الآفاق، وما نوفيه حقه لو شكرناه ملء السبع الطباق، وهكذا أهل الفضل يعملون لله ويعلمون لله، وإن ماتت منهم الأبدان؛ فذكرهم طول المدى باق .

هذا الكتاب لا يستغني عنه مفسر أصولي، ولا فقيه لغوي، وكما أسلفنا أن الشيخ في حياته كثيرا قد جمع بين الحسنيين، فقد جمع هنا بين فنين وعلمين، وقد خدم الشيخ في معجمه كتاب الله تعالي من خلال علم الاشتقاق .

بين يدي المعجم: قدم الشيخ مقدمة وجيزة، اشتملت على معان نفيسة عزيزة، استشهد فيها بكلام بعض الأئمة الحفاظ، ودلل على أن الاشتقاق أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ .

وصل أرحام كلام العرب؛ فجعل كل جماعة من الكلمات أسرة، ولكل أسرة راع ورب يجمعها، وهو: المعنى المحوري الجامع، ودلل على قوله للقارئ والسامع، ودلل على هذا ببعض الأمثال، وفي الكتاب من الفوائد والعطايا ما يكاد يبلغ به حد الكمال .

وبعد أن قسم الكلمات أسرا، وجعل لها معنى جامعا، أتى بالتراكيب القرآنية، وبين وجه وقوعها تحت المعاني المحورية، فيأتي بالتركيب القرآني، ويختار له ما يناسبه من المعاني، وهو في هذا على اطلاع كبير، ودراية واسعة بأقوال أهل التفسير، وربما أتي الشيخ بالمعنى الجديد، فقد كان الشيخ مجتهدا بعيدا عن التقليد، والشيخ في هذا من أهل الورع والصيانة، فقد ميز كلامه عن كلام غيره من باب الأمانة، وهذا شأن أهل العلم والفضل والديانة .

ثم أصل الشيخ لفكرة الفصل المعجمي الواحد، وقد أحسن الاستدلال والإيراد، ولفت النظر إلى ما كشفه في دراسته من الاطراد، ولكل حرف معنى من المعاني؛ يختلف باختلاف المباني، ويتنوع بتنوع التراكيب، وعلى حسب الموقع والترتيب .

ثم استعرض الشيخ المعاني اللغوية للحروف الألفبائية، ووضع لهذا أساسين استغرقاها بلا فوت، أولها: معاني كلمات التراكيب، وثانيها: هيأة تكون الحرف في جهاز الصوت .

وذكر الشيخ (رحمه الله) معاني حروف الهجاء، من الهمزة حتى الياء، فاستفاد منه البلغاء الأدباء والعلماء الفصحاء، وليست ببعيدة عن عقول العامة والدهماء، فالكل على معجمه عيال، وللشيخ قلم عذب سيال، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء .

ثم أتى الشيخ على أثر الترتيب في حروف التركيب، وناقش النظريات، وساق على تأييدها البراهين أو على نقضها ساق الدلالات، فجاء بكلام نفيس عجيب .

وقد رتب كتابه الترتيب الدقيق، وراعى فيه دقة التوثيق، وكان يعزو لأهل اللغة والتفسير، وما كان من كلامه جعله بين قوسين من باب الأمانة والتيسير .

واستخدم الشيخ في معجمه الرموز والأقواس، واعتمد الضبط بالشكل ولم يراع ما يطرأ على اللفظ عند نطقه مخالفا فيه القياس .

وأضرب مثالا بنهج الشيخ في الكتاب: كلمة (جبل) : والجبل: اسم لكل وتد من أوتاد الأرض إذا عظم وطال، والجُبْلةُ: السنام، والثوب جيد الجِبْلة: أي النسج والغزل والفتل .

والمعنى المحوري: تجمع عظيم شديد الأثناء مع غلظ هيأة، كالجبل، والسنام، والثوب السميك .

تأملت كلمة جبل: وما جاء في معجم الشيخ عنها، فكأنها انطبقت عليه أتم الانطباق، وتناسقت مع علمه وشخصه كأكمل ما يكون الاتساق، فتناغما وتلازما وتوافقا غاية الوفاق .

فالشيخ جبل: شامخ القامة، مرتفع الهامة، من أهل الفضل والدين والمروءة والشهامة، وعندي على ذلك ألف دليل وعلامة .

ومعجم الشيخ في هذا الباب أراه مقدما على غيره وفي الطليعة والأمام، وأراه الرأس والعمود وذروة السنام .

وعلم الشيخ كالثوب السميك جميل الهيئة جيد الغزل، فأقبلن عليه بطيب نفس ولا تسمع لأهل الحقد والعزل .

وبعد أن أتم الشيخ كتابه وختم أبوابه أتبعه باستدراكات، رتبها كما رتب الأبواب الأمهات، وقد زيل كتابه بمجموعة من الفهارس لتسهيل البحث في رحابه، وسهولة الوصول إلى كل در منثور في جنابه .

وقد استقام الشيخ على الطريق والجادة، وكان في كتابه كثير الاطلاع على أمهات الكتب وغزير المادة، فأخذ من كتب التفسير والحديث والتاريخ والسير والغريب والأصول، وأخذ من كتب فقه اللغة والاشتقاق والأدب ودواوين الشعراء؛ فلم يدع لمدع نصيبا وأتم كتابه على أتم ما يكون المأمول .

ومعجم الشيخ غزير الفوائد، كثير العوائد، لا يعدم المطلع عليه أو الباحث فيه فائدة في فن من فنون اللغة والتفسير، فجزى الله الشيخ عن الأمة خيرا لما أهداه لنا من العلم الغزير، وتقريب هذا الفن، وتسهيله وتنقيحه، وحسن عرضه بأسلوب سهل رائق يسير .