بينا نحن وقوف أمام محطة المترو بشبرا الخيمة ـ والدي و والدتي و كاتب هذه السطور ـ إستأذنت الوالد كي أمضي للأمام قليلا ً باحثا ً عن سيارة تقلنا لم يكتمل عدد مقاعدها بعد ..

كان الأمر عاديا ً .. نور الأعمدة الذابل ينتشر في المكان بشكل يبعث علي الغثيان .. فيما الأرصفة متكسرة و الطريق رديئة .. سرت حتي علاني كوبري علوي يسير فيه المترو ..

فجأة .. دوي في المكان صوت مكابح تُضغط .. فألتفت إلي الوراء .. فإذا بزجاج يتناثر علي الأرض علي مقربة .. وكومة سوداء من القماش يبرز منها بعض الشعر تزحف علي الأرض .. و امرأة علي مقربة هالها الأمر فمضت تطلق صيحاتها المروعة تدوي في المكان .. و بشر يتقاطرون من كل مكان ليكشفوا لغز تلك اللفافة السوداء الرابضة بنهر الطريق ..

لم أملك حينها إلا أن أتسمر مكاني .. و تملكني الفزع .. فلم أتجاسر علي أن أقترب .. و تشبثت بي الدهشة فأوقفتني حيث أنا فلم أهرول بعيداً .

إستبان لي فيما بعد أن تلك اللفافة السوداء الرابضة بنهر الطريق هي لأنثي عشرينية صدمتها سيارة أثناء محاولتها عبور الطريق ..

كانت تلك هي المرة الأولي التى أشاهد فيها حادثا ً لحظة وقوعة .. تسائلت عن الحكمة خلف وقوعه الآن تحديداً .. فلم أجد غير أن الله ساق لي الحادث و ساقني إليه .. كي يثبتني من أهوال عما قريب أعاينها .. لا ليرهبني .. حاشاه ذلك .

ليس لدي علم لأقف هناك و أُساعد .. و لست ممن يقتلهم الفضول ليقف يتفرج علي فجيعة أحد .. الصدمة أوقفتني مكاني لبرهة .. لم أستطع أن أفعل شيئاً .. مضيت بعدها سريعاً .. الناس الملتفون هناك حول الفتاة فعلوا الكثير فيما أنا دفعتني الرهبة نحو السير بعيداً بعيداً ..

علمت بعد عملي أن الجاهل بما تقتضيه الأمور .. المصدوم من هول ما يري ليس له إلا أن يسير بعيداً حتي يخلي المكان لمن يمتلكون العلم ليعملوا به .. لا ضير أن تبقي لتساعد ـ إن كنت تُبقي علي قدر من الهدوء و السكينة ـ لتحرك الناس بعيداً عن الضرر الذي قد يلحقونه بهذا الجسد المتكور وسط الطريق .. و لتساعد رجال الإسعاف إن هم أرادوا منك ذلك ..

أما جهلك و تعالمك مع فضولك فسيدفعانك دفعاً إلي أن تؤذي المصاب بتحريكه و تعيق عمل الإسعاف بأن تثور في وجههم .. أو أن ترشدهم بجهلك لعمل ما هم يعلمونه بالفعل.

وقع الحادث علي الجميع مؤلم .. المصاب و أقاربه و المُشاهِد .. حتي الإسعاف .. و أذكر تلك الرهبة التي تعتريني في الطريق لتوجهي لأي حادث .. لا تعتقد أن رجال الإسعاف رجال من صخر لا يشعرون .. بل هم بشر كالبشر تماماً بلا أي فرق يذكر .