من منا لم يشعر بالمخاطر الممتدة التي تواجهها اللغة العربية؟
ومن منا لم يشعر بالانفصال لأننا نتحدث لغةً لا نكتب أو نتعلم بها؟


أعتقد الجميع، إن هذا الأمر ليشغل أذهان المفكرين ودعاة الإصلاح في كل عصر.. وكان من بين من أرقتهم الفكرة ونظروا فيها هو " سلامة موسي".

وفي مقال سابق عرضنا أزمة الهوية التي يواجهها الأفراد في المجتمعات العربية فيما يتعلق بلغتهم. 

اقرأ أيضا: في الشخصية العربية: لماذا لغتنا تخجلنا؟؟ 


وذكرنا أن من بين مَن دعا إلى الإصلاح هو "سلامة موسى" فهو يريد باختصار:  تطوير وموائمة اللغة العربية لروح العصر، ويعطي تفسيرات عن سؤال "لماذا يجب هذا"..


فأهم النقط التي عرضها:

١)بُعد اللغة الفصحى عن المواطن في حياته الاجتماعية، مما يجعلها لغة حجرية تصطبغ بطابعٍ كلاسيكي أو تليدي.


٢) النحو والاعراب الذي لا فائدة من تعليمه، ومحاولة إحياء كلمات عربية لم تعد تناسب الحياة الحديثة، ويعلل ذلك، بأن المجتمع العربي آنذاك كان مجتمعًا اقطاعيًا زراعيًا، حربيًا، مما جعل اللغة تستخدم لتلبية احتياجاته التي تختلف عن المجتمع الذي ننشده وهو مجتمع الصناعة والسلام ..


٣) فقر التأليف في العلوم الطبية والهندسية والفنية والفلسفية والجيولوجية وغيرها مما يقارب المائة فرع من العلوم التي لا تتحدثها العربية، مما يجعل المثقفون يركنون إلي الاعتماد علي اللغات الأخري لمواكبة تطور المجتمع، ويعزي هذا إلي الخط العربي بوضعه الحالي، ويؤكد بضرورة اتخاذ الخط اللاتيني ليوفر علينا العناء والمشقة، مثل ما فعلت تركيا ..


٤) يجب علي البلاغة العربية أن تنتقل من بلاغة العاطفة والوجدان إلي بلاغة المنطق والعقل .



رأيي في الكتاب :

لقد قدم الكاتب بالفعل العديد من الاقتراحات والنقد للكثير من الكُتاب، والتي أجدها منطقية نسبيًا إلى حد ما..

ولقد احتوى علي الكثير من المعلومات المفيدة والتي تخدم الفكرة العامة له..

لكن..

الكاتب يلجأ إلي الحل السهل، فبدل تطوير الخط العربي وجعل المواطن العربي يُلم بأمور الاشتقاق ويدرس لغته ولغة غيره لينهل منها ما يمكنه من إعلاء لغته الأم..

يدعو ويؤكد علي اتخاذ الحروف اللاتينية ويقول " إنها اللباس العصري، للأفكار العصرية"


وحجته في ذلك شيئين:


١) أن الكلمة العلمية تشتق من أصول، وتركب من مقاطع، تدل علي معناها لأول مرة..

لكن ألا يعلم أن من يتعلمون بإلانجليزية التي يداخلها كلمات لاتينية يرفضون ذلك بدعوي وجود بديل إنجليزي لها؟!

٢) حروف العلة في العربية ثلاثة، أما في اللاتينية ستة، وبذلك نضبط النطق السليم..

ما يثير الدهشة أن الكاتب بعد هذه النقطة يقوم بتهمة من يعارضون الخط اللاتيني بأنهم يحيون حياة الدعة، ولا يحتاجون إلى نشاط..مع أن المنطق يسلم بأن الأمور السهلة أكثر مدعاة للخمول والكسل ..

ليست جميع الدول المتقدمة تعتمد الخط اللاتيني، فاليابان والصين وكوريا هل تعتمد الخط اللاتيني؟ وعلى الرغم من ذلك نرى تقدمهم اقتصاديا بالاحتفاظ بأصالة لغتهم الأم. وماذا عن العبرية أيضا؟ 


ما أعجبني :

-دعوته لتبسيط اللغة للتلاميذ وعمل نموذج محاكي لنموذج " أوجدين" الذي أسس ما يسمي بالإنجليزية الأساسية، حيث جمع ما يقارب ال 900 كلمة تؤهل متعلمها لفهم اللغة والتشارك المعرفي.

----.

- مقولات أعجبتني:

(يجب أن تكون الرسالة التعليمية الأولي لآية مدرسة مصرية هي تعليم اللغة العربية وأن تكون غاية هذا التعليم إيجاد الكلمات التي تحرك ذكاءنا)

(الواقع أنه ليس للحياة غاية سوي الحياة، وكل ما عدا الحياة، إنما هو وسائل للحياة)


__________

كلمة أخيرة:

لقد كانت دعوة سلامة موسي، أشبه بمناداة الصاحب لصاحبه في مسكنه العلوي أن ينزل له، لا أن يصعد المنادي إليه..
فأراد نزول اللغة إلي مستوي الشعب، لا أن يرتفع الشعب ليكون قادرًا علي الصعود إلى اللغة.

وهو بهذا، ينسي أنه بهكذا حل تظهر مشكلة جديدة، حيث سيتحول الشعب من خادم مكرَه إلي خادم مطيع..


وبدل أن يحصل علي حريته ويخلق جوهره بالهوية التي يصنعها ويطورها بانفراده وتميزه.. سينال التبعية الأبدية باختياره ..
فالاستسلام إلي التيار بدعوي أنه لا جدوي من أن تسبح ضده هو استسلام بغيض..

لا يليق بمن ينشد التقدم وبناء مجتمع ريادي قوي، أليس كذلك؟! 


#تمت 

_____________________

عن الكاتب/

أحمد عبدالوهاب، طالب طب ومدون . أكتب بانتظام على مدونتي Bookmovels التي تهتم بتلخيص ومراجعة الكتب والأفلام والروايات، تعرف عليّ بصورة أكبر من هنا.