"لماذا تكتبون على واجهات المتاجر بالإنجليزية؟" كان هذا أول سؤال من صديقي الإيطالي حينما كنا نتجول في أحد أحياء القاهرة الجديدة. في الحقيقة وقفت مشدوهًا لثواني أحاول أن أجيبه برد ينصف المجتمع ويرضي فضوله إلا أن الصمت ابتلعني.


وكان هذا السؤال مدخلي لتفحص الشخصية المصرية المعاصرة خاصة، والعربية عموما. ووقفت أسأل لماذا لا نكتب بالعربية؟ ولماذا في الكثير من المطاعم لا تجد أي حرف عربي في قائمتهم التي توجد في جمهورية مصر "العربية"؟ لماذا يكتب المعظم أسماءهم على "الفيس بوك" باللاتينية؟

____ 

المزيد من الأسئلة: 

وهل يتوقف الأمر على واجهات المتاجر؟ لماذا يفضل البعض ويستسهل تطعيم لغته بكلمات أجنبية لتحصل عملية تشويه وتهجين لـلغتين.. فتنبثق لغة جديدة لا هي فصيحة كالأولى أو سهلة كالثانية.

إننا لا نملك إجابة قاطعة على هذه الأسئلة.. فالإجابات تتخذ نطاقا متشعبا يختلف باختلاف التوجهات الفكرية لصاحبها. وستتوقف على من سنحمله التقصير.. اللغة أم نحن؟ الماضي أم الحاضر؟ وبينما يرى البعض أن اللغة تشكل أساسا في الهوية الوطنية ويتمسك بها تمسكا محكما.. سيرى الآخر أن اللغة مجرد أداة تواصل وطالما أنت تفهمني فلماذا كل هذه الكلاكيع ..

لكن دعنا نحاول الوصول لإجابة واقعية، هل يصعد المجتمع بلغته ثم يترقى اقتصاديا؟ أم العكس هو الذي يحدث؟؟ 

وماذا عن محتوى الانترنت باللغة العربية الضئيل إذا ما قورن بعدد الناطقين بها؟ فوفقا لموقع " كرايتريون جلوبال" فعلى الرغم من أن عدد العرب المتواجدين على الانترنت يقدر بحوالي 413 مليون مستخدم إلا أن المحتوى العربي لا يتعدى 3%!! إذا أين هو التطوير؟ 

______ 


لا ينكر أحد صحية المنطق الذي يرى انصهار اللغة في نسيج لغات أخرى عملية حيوية ضرورية.. وعلى الرغم من صحته إلا أنه في نهاية المطاف منطق غير مفيد على المدى البعيد إذ أنه لا يعتمد على أسس محددة ثابتة .. فإنه يرى أن كل الأشياء تتغير ومحاولة منع هذه العملية ضرب من التخلف والجمود وهذا صحيح.. ولكن عملية تطوير اللغة لا تعني بالضرورة تهجينها ..


كما أن هذا المنطق لا يخبرنا إلى أي مدى يجدر بنا التوقف ..وهل كتابة واجهات المتاجر وتدريس المواد العملية في الجامعات بلغات أجنبية لا يشعر بها الطالب ولا يتعامل بها في حياته اليومية تطوير؟؟ هل هذا سيفيد بشكل ما في بناء الشخصية "المصرية" و"العربية"؟



فبينما تستطيع أن تقرأ إذا كنت إيطاليًا تعيش في إيطاليا مكونات علبة النوتيلا بلغتك الأم.. ( وهذا مثال بسيط) 

فإنك ستندهش إذا ما وجدت اسم العلامة المسجلة قد كتب بالعربية من الأساس ناهيك عن المكونات في مصر. لماذا تستطع اللغات الأخرى فعل هذا بينما في مصر نجد الازدواجية اللغوية واضحة في كل المجالات..

في الحقيقة الأمر ليس بهذه البساطة، فاللغة العربية متعددة اللهجات.. ولا يوجد مَن يتحدثها في حياته اليومية وينحصر دورها تقريبا في الصحف ونشرات الأخبار والصلوات.. أي أنها تعتبر عند الأغلبية لغة يستقبلونها.. وهم منفصلون تماما عن إنتاجها.. ولأن أغلب المحاولات لتطوير العربية أو تسهيلها يقاوم بسبب اعتبارها لغة مقدسة غير قابلة للتطوير أو لغة غير منطوقة فلا جدوى من التغيير!


هذه الأسباب جعلت المجتمع ينشئ لهجة تتميز بالمرونة لتتوافر فيها احتياجاته ولكن مع الوقت تتسع الفجوة بين اللغة واللهجة لتتحول إلى لغة مستقلة كما حدث في حالة اللاتينية واللغات الأوربية... وأظنه مؤشر على ما الذي قد يحدث مستقبلا ..

الأكثر قلقا من هذه الحالة أن تستبدل اللغة ولهجتها بلغة أخرى ..والأكثر إخافة أن يتم هذا الاستبدال على يد أبناء اللغة .

إن مجتمعا يشعر بالعامية ويكتب بالفصحى ويتعلم بالإنجليزية أو الفرنسية.. وينظر باحتقار إلى لغته التي من المفترض أنه يتكلمها ويعبر بها عن عواطفه ويرى كل متحدث بغيرها له المكانة العليا لهو مجتمع يبدد طاقته من غير طائل و سيتبع دائما التيار ولن يكون أبدا محركه.

.

وهذا ما شعر به "الرافعي"وعبر عنه في كتابه " وحي القلم":  (وما ذلَّت لغة شعب إلا ذلّ، ولا انحطت إلا كان أمره فى ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبى المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة فى عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم فى لغته سجنًا مؤبدًا، وأما الثانى فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم فى الأغلال التى يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع).


اقرأ أيضا: كتاب البلاغة العصرية واللغة العربية: ما غفل عنه سلامة موسى! 


وبينما يؤمن الفيلسوفان "أحمد لطفي السيد" و "سلامة موسى" بضرورة تبسيط اللغة العربية وقواعد نحوها والاعتراف بالعامية المصرية واستبدال الحرف العربي باللاتيني.. وبينما أومن بأن عملية تطوير اللغة العربية ليست أصعب من بعث العبرية وتحديث التركية والتعامل مع رموز الصينية المعقدة ..

 وقفت أمام صديقي ونظرت إلى المتجر وقلت له بثقة مقاوما الصمت " أزمة هوية، مصر تعاني من أزمة هوية"


أترككم مع هذا الفيديو 


- المراجع: 

- البلاغة العصرية واللغة العربية، سلامة موسى 

- وحي القلم، الرافعي (3/27)

- Criterion Global :

Online Arabic Content Lags in Comparison to Boom in User