تأمُّلات في السيرة النبويّة الشريفة .

من الصور و المَواطن التي تتجلى فيها

عظمة رسول الله ﷺ و فضله عن غيره

حتي على إخوته من الرسلِ الكرام .

أنّ بعض الأنبياء أرادت أقوامهم أن تمتحن

صدق إيمانهم بربهم بل امتحان قدرة ربهم

فطلبوا منهم بعض المعجزات و الخوارق

و أن يأتوهم بآيات مادية تدل علي نبوّتهم

و علي عِظَم قُدرة إلههم !

فامتثلوا لذلك و راحوا يطلبون من الله

و يدعونه أن يفعل لهم هذا الذي طلبته أقوامهم !

و ذلك ليس لسوءٍ فيهم معاذ الله لكنهم فعلوا ذلك

ظنًّا منهم أن ذلك سيكون سبب لهدايتهم .

فتارة دعوه بأن يكشف عن أقوامهم الضُرّ

و تارة بأن ينزّل عليهم المنّ و السلوى

و أن يخرج لهم مما تنبت الأرض .

أما حينما حدث مثل ذلك مع رسول الله ﷺ

و طلب منه قومه أشياءً كالتي طُلِبت من سابقيه

من الأنبياء كان رده صلوات الله و سلامه عليه

ردّ الواثق بربه و نفسه و عقيدته !

و كان ذلك إبان بدء دعوته للإسلام جهرًا

جاء فيما صح عنه ﷺ

أنّ أشراف قريش اجتمعوا و ذهبوا إلي رسول الله ﷺ

و عرضوا عليه الزعامة والمال و عرضوا عليه الطب إن كان هذا الذى يأتيه رئيًّا من الجان .

فقال لهم رسول الله ﷺ

" ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم

و لا الشرف فيكم و لا الملك عليكم

ولكن الله بعثني إليكم رسولاً و أنزل عليّ كتابًا

و أمرني أن أكون بشيرًا و نذيرًا

فبلغتكم رسالات ربي و نصحت لكم

فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو

حظكم في الدنيا و الآخرة ، و إن تردوه عليّ

أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني و بينكم " .

فقالوا له " فإن كنت غير قابل منّا شيئًا

مما عرضناه عليك ، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس

أحد أضيق بلدًا ولا أقل ماءً ولا أشدّ عيشًا منّا

فسل لنا ربّك الذي بعثك بما بعثك به

فليسيّر عنّا هذه الجبال التي ضيقت علينا

و ليفجر لنا أنهارًا كأنهار الشام و العراق

و ليبعث لنا من مضى من آبائنا ، و ليكن فيمن بعث لنا منهم قصيّ بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق

فنسألهم عما تقول ، أحق هو أم باطل

و ليجعل لك جنانًا و قصورًا و كنوزًا

من ذهب و فضة يغنيك بها عما نراك تبتغي

فإن صنعت ما سألناك صدقناك و عرفنا منزلتك

من الله و أنه بعثك رسولاً كما تقول ، فقال لهم ﷺ

" ما أنا بفاعل و ما أنا بالذي يسأل ربه هذا " .

هذا الرد الوجيز البليغ العزيز

علي قدر إيجازه إلا أنه يحمل في طياته الكثير

من المعاني السامية و الدلالات العظيمة

الأولى : أن رسول اللهﷺ لم يهادن في دينه و لم يقبل فيه المساومة قطّ و أبي أن يقبل منهم ما عرضوه عليه من الملك و الزعامة و المال .

و إن كان قد جاراهم في حديثهم فهذا

ليكون ذلك حجة عليهم و امتثالاً منه إلي قوله تعالي

" و أنذر عشيرتك الأقربين "

و الثانية : أن رسول اللهﷺ حينذاك كان في أمسّ الحاجة إلي تصديقه و مؤازرته من قومه

و مع ذلك لم يقبل أن يمُتحن في ربه .

و الثالثة و الأهم : هي ثقة رسول الله ﷺ العظيمة

في ربه تعالي و مولاه و اعتزازه به .

و رفضه أن يكون محل اختبار و امتحان

من مشركي قريش ، و هذا وإن دل فيدل

علي تلك الدرجة الرفيعة التي نالها ﷺ عند ربه

فقد اختصه الله تعالي بهذا المَنَعة و العزة

التي جعلته يأبي أن يسأل ربه أن يخرق لقومه العادات و أن يجري لهم المعجزات

حيث قال " ما أنا بالذي يسأل ربه هذا "

تُري أي مكانة هذه و أي درجة نالها ﷺ

و أي سؤددٍ و إباء جعله يقف هذا الموقف

و يرد عليهم بمثل هذا الرد العظيم .

الذي لا شكّ فيه أن هذا الموقف الجليل

لهو من أعظم الأدلة علي عناية الله تعالي لنبيه

و إكرامه له و رفع درجته عن غيره من العالمين .

فاللهم أرزقنا الفهم عن نبيك و حسن الأدب معه

و كمال الإيمان به و الاتباع له و السير علي خطاه

إلي أن نلقاه علي الحوض فيسقينا بيده الشريفة

شربةً لا نظمأُ بعدها أبدًا و يقرع لنا أبواب الجنة

بيمينه التي لن تفتح لغيره ﷺ .

أنت وليُّ ذلك و القادرُ عليه .