لا تحاول أن تفهم ماذا يجري من حولك ، ولا تفكر فيما سيحل بمستقبل البلاد لو بقيت تسير على هذه الوتيرة ، تجاهل أي حديث مشبوه أو ملغوم أو مشفر ، حاول أن تنعزل عن التجمعات سرية كانت أو علنية ، لا تبدي رأياً حتى لو كان مؤيداً بل احتفظ به لنفسك وليس بالضرورة أن تمتعض من فاتورة الكهرباء المرتفعة أو تقلب وجهك في حال كانت أسعار المواد الغذائية لا تناسب دخلك " التافه " , بكل بساطة لا تكن رمادياً ولا تقف إلى جانب أحد يكفي أن تكون " لا شيء " حتى تستطيع متابعة حياتك بشكل يجب أن يكون طبيعياً .


هل فكرت يوماً أن تكون " لا شيء " عزيزي القارئ ...؟

بالتأكيد لم تفكر فهي الحالة الغالبة في مجتمعاتنا ، نعم عزيزي لا تندهش نحن حقاً مجرد أرقام لا يمكن الإستفادة منها بشيء ، صدقني حتى تلك الإحصائيات الصادرة عن الحكومة فيما يخص عدد السكان ليس بالضرورة أن تشملك فهي أرقام غير دقيقة ، وإن كنت تظن أنك حقاً موجود بحكم أنك تحمل هوية بلد ما فدعني أخبرك أن النباتات _ولن أقول لك شيء آخر_ تمنح جنسية ،

 ألم تسمع بالموز الصومالي ...؟

لا عليك أعرف أن الواقع صادم للغاية لكن كن على يقين أنك لست وحدك ، تأكد أننا نتشارك معك هذا التصنيف ولكن نحاول أن لا نجاهر بحقيقتنا ونكتفي بالصمت حيال كل شيء ، حتى لا نحسب على طرف من الأطراف ، أي أطراف ...؟ لا تسأل أسئلة أنا نفسي لا أعرف الإجابة عنها هي أطراف وانتهى الأمر .

ربما الأن تراودك ابتسامة وتظن أن ما قرأته هلوسات غير منتظمة أو أن كاتب المقدمة السابقة يعاني من انفصام في الشخصية ، لكن صدقني قبل الربيع العربي كنا نعيش بهذه الطريقة تماماً ، نعرف كل شيء ونصمت ثم نعرف أكثر ثم نصمت وكأن لا ألسنة لنا تقول " كفى " .

لكل دولة عربية عيد استقلال ...استقلال عن استعمار كان يهدف للسيطرة على خيرات تلك البلاد ويتبع سياسات تعنيف وقمع حريات بالإضافة إلى مجازر يندى لها جبين الإنسانية , بعدها تماماً تحولنا إلى نظام حكم وطني يسعى للحفاظ على كرامة المواطن والرفع من سوية حياته ويرتقي به إلى القمة ، هكذا كانت تنص كل الدساتير التي تم دهسها فيما بعد وأصبحنا نعيش في ظل سياسة تكميم الأفواه ، ربما سمعت عن هذه السياسة ذات يوم لكن ما معنى تكميم الأفواه ...؟

بشكل حرفي إما أن تكون مع " الملك " أو " الرئيس " أو " الأمير " أو " القائد " وإما تكون معه .

نعم هو اختصار للخيارات فالحكومة تفكر عنك وتنتخب عنك وتعارض عنك وأنت عبارة عن شيء لا نفع له يمكن في أحسن الأحول يطلق عليك لقب فخري وهو " مواطن عربي " عليك أن تفتخر بلقبك وتدافع عنه حتى لو لم تشعر بالإنتماء ولكن فرض عليك أن تفتخر به , وفي حال فكرت ولو مجرد تفكير بأن تقول : " لا " فأنت خائن و إرهابي تحاول أن تضرب السلام الداخلي في البلاد ومدعوم من قوى فضائية ربما لتعبث في سلام البلاد والحكومة يجب أن تكافحك وحينها فقط يمكنك أن تنطق كلمة " لا " عندما تتشهد ...

عندما ضاقت الشعوب ذرعاً في هذه الحياة التي كانت تعيشها انتفضت من مقابرها لإنهم لم يكونوا على قيد الحياة الفعلية وكانت مطالب هذه الشعوب محقة بالحرية والعدالة والمساواة و الإفراج عن المعتقلين ومحاسبة الفاسدين والنافذين في السلطة , لكن من يطالب من ...؟

أساساً الشعب لا يمكن أن يصنف في خانة البشر من وجهة نظر القيادة الحكيمة فلذلك سنعمل على مكافحة هذا الشعب المتأمر بشتى السبل ، وهنا بدأت الإعتقالات التعسفية إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين ، انتهاك حرمات البيوت ، عمليات دهس بسيارات الأمن والمخابرات لأي تجمع يهتف بشعارات مناهضة للنظام ، قبضة أمنية تضرب بيد من حديد كل من طالب الحكومة بحقه في هذه البلاد , فمن حول الربيع العربي إلى خريف هو مجموعة الحكام الذين يتشبثون بكراسي الحكم التي تخدم مصالحهم وأي ردة فعل للشعب ليس بإمكانك أن تحاسبه عليها لإنه عاش سنوات طويلة لا يستطيع فتح فمه إلا عند طبيب الأسنان كما قال محمد الماغوط يوماً , ومن يقف إلى جانب أي حكومة تقتل شعبها ليس إلا شريك بالقتل كان أولى بكل تلك الحكومات أن توجه رصاصها إلى صدور الصهاينة والأمريكان وليس إلى شعب خرج بالورد سلمياً يطالب بأبسط حقوقه ، وأخيراً لا يسعني إلا إن أشارككم ماقاله أحمد مطر ذات يوم :

وضعوني في إنـاءْ
ثُمّ قالوا لي : تأقلَـمْ
وأنا لَستُ بماءْ
أنا من طينِ السّمـاءْ
وإذا ضـاقَ إنائـي بنمـوّي
..يتحطّمْ !