لطالما خذلنا التاريخ في صفحاته وأوصل إلينا أنصاف الحقائق المشوهة , لطالما نمق الأكاذيب وأحاطها بهالات من البراهين والأدلة التي لم نفكر ولو لمرة واحدة بمحاكمتها محاكمة عقلية أو على أقل التقادير التأكد من شفافيتها ومصداقيتها .

لم يقتصر موضوع هذا الزيف على التاريخ السياسي أو العسكري بل وصل الغرق فينا إلى تاريخنا الأدبي الذي لا زلنا نزعم أننا متمرسين بأدق أدق تفاصيله منذ العهد الجاهلي إلى يومنا هذا .

ومن اللافت أن الجهل بالحقائق الأدبية ليس مقتصراً على مراحل ماقبل التدوين أوحتى أيام كان تناقل الشعر مشافهة على ألسن الشعراء فالجزم في تلك المراحل من وجهة نظر شخصية أقرب للمستحيل , ولا نستطيع إعطاء رأي واحد حول مراحل كان العرب فيها قبائل متناحرة فيما بينهم .

علماً بأن دراسة تلك المراحل كانت ولا زالت الشغل الشاغل للكثير من الدارسين ولم تبرح من تحت مجهر النقاد والباحثين والمفكرين العرب , وتقام الندوات حول شعر النقائض والمديح والحماسة ...وغيرها من الأغراض الشعرية التي لطالما صدعوا رؤوسنا بها .

وكل هذه الدقة المزعومة ليست إلا نظرة مواربة ومقصودة في إغفالنا عن تاريخ قريب ليس بالبعيد جداً .

اليوم يستطيع أبسط طالب أدب أن يقدم بحوث دقيقة جداً عن شعر أبي الطيب المتنبي ودراسته بشتى أنواع المناهج النقدية وتسليط الضوء على مزاياه الفنية دون أن يغفل فلسفته في الحياة والإشارة إلى نظرته الإستشرافية ولكن دون أن يذكرأن المتنبي ورغم عظمة شعره ليس إلا شاعر متكسب في بلاط القصور وليس إلا مداحاً باحثاً عن المال في خزائن السلاطين , وطبعاً هذا ليس إهانة للمتنبي وإنما حقيقة تاريخية شاء من شاء وأبى من أبى .

وفي ظل هذا التعتيم كان يجب أن نصدق أن الفضل في كتابة الرواية في عالمنا العربي والتي اليوم هي بمثابة صمام الأمان لأي معرض كتاب في العالم العربي أو في العالم على حد سواء يعود للصحفي " محمد حسين هيكل

وروايته " زينب " والتي اعتبرها جمع غفير من النقاد والباحثين أنها الخطوة الأولى للكتابة الروائية الفنية بجميع مقوماتها في العالم العربي ولم يسبقه أحد إلى ذلك في عام 1914 م , وأصبح " هيكل " هو سرفانتس العرب , وروايته " زينب " في مقام " الدون كيشوت " ورغم أن هذا الكلام غير منطقي لأن جميع الكتاب أعتبروا أن كل ما كًتب قبل هيكل هو عبارة عن إرهاصات للظهور الرواية واعتبروا أيضاً أن كل ماسبق أقرب للرواية التاريخية التي لا يعتد بها ولا ترقى لأن تكون رواية بكل ماتعنيه الكلمة من معنى .

دعونا نتفق أن ماسبق ذكره صحيح وأن الرواية الفنية لها مقومات ولها جوانب فنية لم تكن متوفرة فيما اتفق عليه النقاد واصطلحوا على تسميته " الرواية التاريخية ".

لكن أن تكون هناك رواية وبمقومات فنية وسبقت " هيكل " بحوال 15 عام دون أدنى إشارة لذلك فهو طمس حقيقي للتاريخ .

" حسن العواقب " 

ل " الروائية اللبنانية : "زينب فواز " هو المسمار الأخير في نعش مصداقية التاريخ الأدبي المعاصر , الرواية التي تم نشرها في أغسطس 1892 وعلماً أنها مكتوبة منذ عام 1885

وتعتبر رواية عاطفية رومانسية تؤكد أن الحب ينتصر في النهاية رغم المكائد البشرية والضغوط الإجتماعية , وكل ذلك بالإضافة أن زينب فواز أصدرت الرواية بأسمها الشخصي متحدية المجتمع الذكوري خلاف " هيكل " الذي اعتبر الطبعة الأولى من روايته أقرب لجس النبض وأصدرها بأسم مستعار " فلاح مصري " .

ولم يتوقف التزوير والجدير بالذكر أن الروائية زينب فواز كانت قد أصدرت روايتين بعد باكورتها " حسن العواقب " وجاءت على التوالي " الهوى والوفاء " و " الملك قورش " .

كل ذلك حصل دون أدنى نظرة إلى تلك الروايات وكأنها لم تكتب والكثير من الدارسين اليوم هم على قناعة تامة أن هيكل صاحب الفضل الأعظم دون أن تقاسمه زينب فواز أي مركز .

ولم يأت هذا التهميش والتعتيم عفو الخاطر بل هو سحق للمرأة العربية وإضاعت معالمها بفضل نظرة شرقية متغفنة على أن الكائن الأنثوي عبارة عن سلعة تباع وتشترى وليست قادرة على أن تكون عنصر مؤسس في بلاد الرعب أوطاني .

بالإضافة أن هذه النظرة لا زالت إلى يومنا هذا بدليل أن روايات هيكل وبالأخص زينب تطبع عالمياً وبشتى اللغات وتباع منها آلاف النسخ وأقيم عليها آلاف مذكرات التخرج أما روايات زينب فواز فلا تزن على ميزان الأدب العربي الأعمى مثقال ريشة , وفي الختام عذراً زينب فواز نحن لم نكن أهلاً للحفاظ على خطوتك التي كلفتك مشقة الخوض في غمار الرواية وكلفتنا تجاهلاً عبثياً وإنشاداً ببغائياً لتاريخ مزور .

.................................................


وإليكم روابط كلتا الروايتين ولكم الحكم .