من خلال التنويه الهام الذي تصدر متن السرد ينقلك الروائي " محمد طارق الموصللي " إلى عوالمه الخاصة ، ويضعك أمام إختبار حقيقي لصبرك كقارئ يحب أن يعرف ماتخفيه معالم النص ، ينسف كل مايربطه بالنص ويعتبر نفسه راوي للأحداث فقط ، وأضاف عتبة تشويقية منتقاة بدقة حيث أورد في قوام التنويه :

" دعني أخبرك أنني أنشر روايتي عنه دون علمه ، لذا كن حذراً لمن تهديها ،فربما وصلت إلى يديه وغضب ، وأنت لا تريد _ بالطبع _أن تتسبب لي بالأذى ، أليس كذلك ؟ "{1}

إلغاء ذاتية الكاتب وعدم إقحام نفسه في مسالك السرد يعتبر مغامرة حقيقية فالنص هنا يقبل أن يكون امتداداً لمذكرات الكاتب نفسه وأراد الإختفاء وراء الشخوص وإما فعلاً هو ليس موجود أساساً في عالم الرواية ، وعلى كل الأحوال في حال ثبتت إحدى الفرضيات نحن نقرأ النص بمعزل عن صاحبه فالروائي تنتهي مهمته بمجرد أطلق نصه إلى جمهور القراء ، لكن ما هو جدير بالذكر بأن هذا التنويه يعد إمتداد لكل من العنوان الرئيسي ونظيره الفرعي ، حيث اختار الروائي وسماً يحمل تضاد لغوياً متنافراً قلباً وقالباً حيث يبدأ القارئ بفرض تساؤلات مشروعة حول ماهية

" السياحة الإجبارية " لكنه يجيبك بطريقة غير مباشرة في تتمة العنوان أو العنوان الثانوي ويقول :

" حين يصبح الوطن عبئاً على الجميع " مضيفاً علامة التعجب حتى تفتح أمامك سؤالاً يرجعك إلى صميم الواقع بعيداً عن مخيال الكاتب وتطرح التساؤل الثاني " هل حقاً يصبح الوطن عبئاً على الجميع ؟ " وينقلك إلى إهداء فارغ ليزيد في التشويق تشويقاً آخر لإنه كما أسلف أن النص يكتب دون علم بطل السرد , وعليه فإن هذه العتبات تعتبر مغناطيس موفق للقارئ وتجعله يتابع الغرق بين سطور الرواية .

يرسم الروائي " محمد طارق الموصللي " مشهداً حوارياً يفتح أمامك النص على ما يسمى " الخطف خلفاً " وكأنه أراد أن يبدأ من لحظة النهاية سواء أكانت هذه النهاية حقيقية أم مجرد طعم آخر للقارئ ، وينتقل مسرعاً إلى عالم الرواية وهنا أنت تقع في الفخ وينجح الروائي في خلق عالمين متوازيين الأول : " عالم الرواية التي بين يدك " والآخر " عالم الرواية التي بين يديه " ، هذه المقاربة الفنية مدروسة وخطوة أعتبرها وفق وجهة نظر شخصية إنتحارية للنص لإن السرد في حال لم يكن محكماً سيتهلهل بين عوالم هي بالأساس لغوية مجردة ، لكن وللأمانة من خلال لغة إنسيابية وتعابير راقية ينقلك الروائي إلى عالمه الخاص ويضعك أمام نص الرواية وكأنك تقرأ معه الأحداث في عالمه الثاني " سرد ما بعد الرواية " دون أن تنسى أن ما خطته يد الروائي ليس إلا تتمة خارج أسوار السرد الذي بين يديك ، ويستطيع أن يحكم العقدة النصية بإتقان فأنت الأن أمام نص إنتقائي بحت فلست أنت من تختار النهاية وليس بإمكانك حتى توقعها فلذلك يفرض عليك متابعة القراءة حتى آخر أنفاس النص .

طبعاً ماهو جميل في هذا الخيال أنه واقع أغرب من الخيال كما أورد الروائي في طيات نصه ، بدليل أنك تقرأ شخوصاً منتقاة من صميم الواقع وحقيقية بشكل كبير ، بالإضافة إلى أن الروائي يشاركك خياله وتصوراته وبالتالي ترى نفسك أمام نص مجنون لا تعرف تحديد ماهيته فلا هو خيال علمي ولا واقعي ولا نفسي هو خليط ماسبق ذكره ، فالروائي يغوص إلى أعماق مخيالنا الجمعي ويمحور النص حول ذاتية الفرد ويعري أفكار المجتمع من خلال نظرة واقعية حادة إلى مسائل لا تزال محط جدل لعل أهمها فكرة الأديان وكيفية فهم المجتمع لها وكيفية فهمك للدين إن كان طريقاً إلى الله أو طريقاً لمعرفة الله ، هذه التعقيدات يضعها أمامك بسلاسة ، ويعود ليضعك أمام حياة النص وطريقة تشكله وأن الكاتب عادة ما يكت ما يفرضه عليه السرد وليس العكس فهذه السياحة الإجبارية نصاً كانت أو واقعاً بالتالي ليست خياراً عن سبق إصرار وترصد ، النظرة السوداوية تحيلك إلى مخيال جمعي استطاع الروائي أن يختزله في معاني الحب المتعددة وآثار الفقد المؤلمة سواء كان فقداً حسياً أو عاطفياً فأكوام المشاعر في النص متدفقة من اللحظة الأولى حتى نهاية العمل .

" محمد طاق الموصللي " رسم لك واقعاً كما تراه أنت وكما يراه هو وبالمقابل أعطاك نظرة جمعية للعديد من المفاهيم المجتمعية من خلال قصة مشوقة وسرد محكم ، لا يخلو النص من بعض الإنفلاتات الزمانية والمكانية لكن كل ما هو عليك أن تقرأ بإحساس لإن السرد لا تحكمه صيغة زمكانية محددة وإنما يحكمه حدس القارئ لمعرفة ماهية الأمكنة والأزمنة المناسبة وهذه الحرية أعطت هامشاً واسعاً للقارئ حتى يفرد خياله في كل حوار أتقن الكاتب صياغته بفلسفته الخاصة .

أخيراً الرواية تضع ثقلها في مسار سباق " المسابقة الكبرى " وأظن أنها قادرة أن تعانق النصر لما فيها من سرد حداثي مميز وأسلوب ينم عن ذكاء حاد وفي نهاية المطاف أترك لكم الحكم على هذا النص الموجود بأجزائه العشرين على رقيم المبدع " محمد طارق الموصلي " الذي أتمنى له كل التوفيق والنجاح فهو يستحق عن جدارة وإستحقاق .

______________________________________________________

1: محمد طارق الموصللي ، سياحة إجبارية ، الجزء الأول ، رقيم 

______________________________________________________

حساب الروائي : محمد طارق الموصلي 

الجزء الأول من رواية سياحة إجبارية