#النسيان
على عكس عنوانها لم تُكتب هذه "المذكّرة" لننسى، بل لتذكّرنا بشيء من فظائع العنف، حتى لا ينسى العالم ما فعله العسكر بتحالف مع الرأسماليين الكبار في #كولوملبيا خلال ثمانينيات القرن الماضي، كما أنها وفاء جميل من إبن تجاه والده، ابن يحفظ الكثير من التفاصيل التي كوّنت شخصيته وشخصية أخواته الست، تفاصيل لحظة قراءتها تجعلنا ندرك ذلك المشترك بيننا نحن البشر، تفاصيل توحي بأن هذا الكاتب كان بالأمس مُنصت جيّد لكلّ من حوله.
ولأن "الكتب هي محاكاة للذكرى، طرف صناعي وظيفته التذكّر، محاولة يائسة لنجعل مما هو فانٍ، لا محالة، أطول عمرا بقليل" قرّر #إكتور_آباد_فاسيولينسي أن يأخذنا في رحلة إلى عالمه الخاص، وقصته مع والده الذي اعتبره "أب مثالي"، نصائحه، مُرونته في التربية، الأسوة التي كانها في طلب العلم وإفشائه، نضاله الاجتماعي والسياسي..، وبعدما تكتشف الكثير عن هذا الوالد الذي قدّم الكثير لكلومبيا كأستاذ جامعي ومتطوع في مجال الصحة العامة ومناضل حقوقي، يشرع المؤلّف في "انتقامه الوحيد" من اغتيال والده، وهو رواية ما حدث، مُشيرا من بعيد إلى من تلطّخت أيديهم بالدماء دون ذكر أسماء، فقط ليؤجّل النسيان..
وعلى وقع النبضات الأخيرة لهذا الكتاب التي كَساها ألم هادئ، وحسرة رومنسية، يتيه الكاتب -الذي ستتعاطف لا محالة مع قضيته وقضية والده الذي اغتيل لأنها قضية عدالة قبل أن تكون قضية أحرار كولومبيا- في متاهات الذكرى والنسيان ويخلص أن مصيرنا حتما إلى العدم، وبالتالي لا تنفع الذكرى إلا ردح من الزمن.
هذا الرأي يختلف عن التصور الوجودي الذي أعتنقه كقارئ ينتمي إلى العالم الإسلامي ثقافيا وليس فقط جغرافيا، التصور الذي يجعل من العدالة قيمة ينبغي تحقيقها في هذه الحياة القصيرة، وإن لم تتحقق رغم بذل كلّ الأسباب الممكنة فإنّها لابد ستتحق في "الآخرة"، مصداقا للآية الكريمة {أحسب الانسان أن يُترك سُدا}، إنسان التمس في كلّ تفاصيل حياته الصغيرة العدل، وآخر تمادى في ظلمه للناس، يموت الأوّل مسجونا أو مغتالا، فيما يموت الثاني في رغد من العيش وتُقام له جنازة الأبطال، هل تنتهي القصة هكذا! إن ذلك الإحساس الداخلي الذي يرفض هذه النهاية، من دواعي نبذ فكرة العدم، لابد للقصة من نهاية مريحة.
ماذا استفدت من هذه الصفحات؟
_ الثقة في الناس (خصوصا في الابناء) وإن كانت غير مستحقة، ثمارها طيّبة، لأن الخاسر هو من أخلّ بهذه الثقة وليس من يمنحها.
_حماس العمل على تغيير الأوضاع في مجتمع أو بلد يغوي صاحبه أكثر مما ينبغي أحيانا، وآنما يفقد الصبر ويندفع لإحداث هذا التغيير بأسرع مما تتحمّله طبيعة الصراع مع القوى المضادة، يفقد توازنه ويسقط ضحية الحماس بشكل أو بآخر.
_ بعض أنصار الفكر الليبرالي واليساري في إسبانيا وأمريكا اللاثينية، لم يراعوا البنية السياسية والفكرية لبلادهم ذات الطابع الكاثوليكي المحافظ، وأرادوا إحداث تغييرات فوقية حادة وبنفس متمرّد، لا تتحملها هذه البُنى، كان هذا غطاء عوامل أخرى أدّت إلى مواجهات دموية بداية من #الحرب_الأهلية في إسبانيا إلى سنوات من العنف والدمار في #كولومبيا و #التشيلي.