يوماً بعد يوم يتعاظم اكتساح التكنولوجيا لتفاصيل وجوانب عدة في حياة الإنسان، وبطبيعة الحال ما كان لفعل القراءة أن يستثنى من هذا الاكتساح، ولما شاع بين القارئين عبر العالم استثمار التكنولوجيا لقراءة الكتب، وراجت تجارة الكتب الرقمية عبر مواقع عدة، وأنشأت مدونات وموسوعات إلكترونية، كان ولابد من دراسة ومقاربة هذه الظاهرة، وعليه، القيام بمقارنة بين القراءة من الكتاب الورقي والكتاب الرقمي مبنية على دراسات علمية وملاحظات دقيقة تمكننا من ترجيح فوائد كلّ منهما والوقوف على التحوّلات التي قد تشهدها الثقافة والمعرفة عند من اكتسبوا معرفتهم بواسطة الكتاب الرقمي والقراءة من على الويب.

أسباب الإقبال على الكتب الرقمية:

لعلّه من شبه المستحيل أن يوجد على وجه الكرة الأرضية شاب مولع بالقراءة لم يقرأ كتاباً إلكترونياً، وذلك باستعمال وسائل تكنولوجيا مختلفة (حاسوب، لوحة إلكترونية، هاتف ذكي) والتوجّه نحو استعمال هذه الوسائل للإطلاع على كتب تختلف باختلاف القارئين، فهناك من ينحو هذه الوجهة بداعي مجانية الكتب على الإنترنيت، وآخر بسبب عدم توفر الكتاب أو الكتب التي يريدها في المكتبات الورقية بمدينته أو دولته إما بسبب المنع أو نفاذ الطبعات أو غيرها من الأسباب اللوجيستية، والبعض ربما يختار قراءة الكتب الرقمية حتى يبقى متصلاً بالانترنيت فيضرب عصفورين بحجر واحد -بمنطقه هو- التفاعل والمطالعة في نفس الوقت، وهكذا تتعدد أسباب ودواعي الإقبال على الكتب الرقمية.

الكتاب الورقي في أزمة:

في حياة الإنسان دائماً هناك أولويات تؤحذ بعين الاعتبار، على رأس هذه الأولويات تأتي الحياة، وحياة الإنسان وغيره من الكائنات الحية على الكرة الأرضية ترتبط حياتهم بالأكسجين الذي مصدره الغابات التي رئة العالم، وأمام تزايد الطلب على الورق لاسخدامات متعددة أصبحت هذه الغابات في خطر(أكثر من %60 من نحو 17 مليار قدم مكعبة من الخشب المستهلك كل عام،تستعمل لصنع العجينة والورق) لذلك كانت من متطلبات مستقبل الكائنات الحيّة في هذا الكوكب إيجاد وسائل بديلة يُستغنى بها عن كل المصنّعات التي تصنع من الأشجار، ولا محال أن الانتقال من الكتاب الورقي إلى الكتاب الرقمي هو بديل من البدائل التي لابد للإنسان أن يكون مرناً معه كما كان مرناً عبر تاريخه مع كل تحوّل تاريخي.

مزايا الكتاب الورقي:

بالموازاة مع المنظر الحميمي للقارئ وهو يحمل كتابا ورقياً ويلامسه بأنامله ويحسُ إحساساً وجودياً بهذا الصديق والرفيق الذي لا يُملّ نجد مزايا وفوائد لها تأثير مادي أكثر عمقاً وتأثيراً من نظيره الكتاب الرقمي وهي كالتالي:

جذب القارئ وتجريده من المُشغلات

فقدرة الكتاب الورقي تتجلى في القدرة على إثارة النسيان باعتباره وسيلة إعلامية حتى نركز على محتوى القراءة، في حين يدفعنا الكتاب الورقي إلى الانتباه للوسيلة الإعلامية ذاتها، مما يدفع إلى حلّ سلسلة من الممارسات التقنية أو الرجوع نحو الشرائط الإعلانية، والتحذيرات بكل أصنافها[1]

القراءة السريعة

أظهرت الدراسات بشكل متناقض أن سرعة القراءة على الشاشة تتناقص على ما يبدو بنحو 25 في المائة، مقارنة بتلك التي توجد على الورق لأنها تتغيّر بشكل متزايد في مناطق الدماغ[2]

القدرة على تذكّر ما قرأته

أجرى مختبر الاستعمالات في مجال تكنولوجيا الإعلام الرقمي (بفرنسا) أن القراءة على الورق تمكن من لفت الانتباه بشكل أفضل، وبهذا المفهوم فإن الإبحار على الشاشة قد يؤدي إلى ارتباك في الذاكرة المكانية للنصوص[3]

المستقبل للكتاب الرقمي:

لاشك أن الكتاب الورقي سيستمرّ لكنه قد يزداد ثمنه شيئاً فشيء، وينحصر عدد دور النشر الورقيّة بسبب المنافسة الرقمية وقرصنة الكتب قبل نشرها مجاناً في الأنترنيت، بحيث يصبح من الصعب مسايرة هذه الوضعية من قبل دور النشر والمطابع الصغيرة.

في المقابل تجتاح أشكال عدة من الكتب الشبكة العنكبوتية والوسائل التكنولوجية الحديثة (الكتاب الرقمي، الكتاب الصوتي، كتب على شكل تطبيقات، كتب تفاعلية...)، وبالتالي ستتغيّر طريقة القراءة وستتغيّر معها ثقافة القرائين، لأن لكلّ وسيلة آثارها المختلفة، فالقراءة من الكتب الورقية ليست كما القراءة من الكتب الرقمية، فالثقافة التي تمخّضت عن قراءة بطيئة يواكبها تشويش لن تكون كالقراءة السريعة التي يصحبها تركيز وتجرّد.

وكما لكلّ زمن خصوصيته فالمستقبل يجعل للثقافة التي تولّدت عن القراءة من الكتب الرقمية خصوصية منسجمة مع مكونات الحياة في ظلّ التكنولوجيا، وفي هذا الإطار تثبت الدراسات أن في حالة القراءة من الكتاب الورقي فإن مناطق الدماغ المرتبطة باللغة والذاكرة والتحليل البصري هي التي تكون مطلوبة، أما في حالة القراءة من الكتاب الإلكتروني تكون المناطق المرتبطة بأخذ القرار وإعطاء الحلول للمسائل متحركة بشكل كبير[4]، إذا نحن لسنا أمام تحوّل على مستوى الوسائل فقط بل إنه أعمق من ذلك، إنه تحوّل ثقافي ومعرفي.


[1] - Cédric Biagini, L’empris numérique. Comment Internet et les nouvelles technologies ont colonisé nos vies, op, cit, chapitre 2.

[2] - ريمي ريفيل، الثورة الرقمية، ثورة ثقافية، ت،سعيد بلمبخوت، عالم المعرفة، ع462، ، 2018 ص، 123.

[3]- نفس المرجع، ص، 125.

[4] - نفسه، ص 127.