هذه الأسطر قراءة في مقال الدراسات الإسلامية .. زوايا "دينية" داخل كليات الآداب 

يقع المقال في 7 صفحات وهو مضمّن في ثنايا كتاب "أقنعة التطرف منابع التطرف الراديكالبة الدينية بالمغرب" لكاتبه محمد سموني،  ينقسم المقال إلى خمس عناوين صغيرة سنأتي على ذكرها، ويتضح من خلال المعلومات الواردة بالمقال أنه كتب سنة 2016.

المنهج: يعتمد صاحب المقال منهجا وصفيا حتى يمنح القارئ صورة مقرّبة عن وضعية شعبة الدراسات الإسلامية في كليات الآداب بالمغرب (وقد اتخذ كليتي عين الشق وكلية بنمسيك نموذجا)، وتغطي شهادات بعض أساتذة الشعبة وطلبتها المساحة الأكبر من هذا المقال، فيما يحضر التحليل في صيغ متشابكة مع وصف حالة الشعبة إلى حد يصعب علينا التمييز بين وصف الحالة وتحليل الكاتب لها، أو بصيغة أخرى هو وصف وفق رؤية الكاتب.

السياق: شهد العالم في الآونة الأخيرة تنامي تيارات متطرفة (دينية، عرقية..) ما استدعى الوقوف على أسباب هذا التوجه الذي يتجسد في سؤال: ما هي أسباب التطرف؟

لا ريب أن العامل الثقافي هو سبب من أسباب التطرف، حيث منه تُستدعى مبررات السلوك المتطرف وعليه تُبنى التصورات، وبالعودة إلى المقال يمكن أن يتأطّر موضوعه ضمن هذا السياق، سياق مراجعة شاملة لمنظومتنا الثقافية حتى نقف على مكامن الداء أوالعطب، ولنرى ما موقع شعبة الدراسات الإسلامية في صناعة الثقافة بالمغرب وما هي نوعية هذه الثقافة التي تصدر عن أساتذة هذه الشعبة وطلبتها.

مضمون المقال: في مطلع المقال يتنوال الكاتب ما سماه ب"القوانين الخاصة" التي تنظم شؤون طلبة شعبة الدراسات الإسلامية (ولوج الطلبة للمدرج عن طريق بابين متفرقين: باب للطلبة وباب للطالبات، عدم الاختلاط داخل قاعة الدرس).

§ الشيخ والمريد: في هذه الفقرة يرى الكاتب أن علاقة بعض أساتذة الشعبة بطلبتهم هي علاقة الشيخ بمريده نظرا لطقوس "الولاء" التي يقوم بها الطلبة بغرض التقرب من الأستاذ، وانتفاء الحدود بين الكلية والمسجد القريب منها حيث يحضر الطلبة دروس الأستاذ في المسجد ويحضر رواد المسجد دروسه في الجامعة.

§ جزيرة داخل الكلية: والعنوان هنا يعبر عن حالة شعبة الدراسات الإسلامية، وكيفية تسييرها من قِبل المنسقين المتعاقبين تسييرا خاصا يخوّل التحكم في توزيع ما يدرّس ومن يدرّس بهذه الشعبة.

"بول البعير" في البحث الجامعي!: ويتصدر تصريح عميد كلية الآداب بنمسيك هذا المقطع حيث يقرّ بصعوبة التحكم في أساتذة الشعبة المذكورة وما يلقنونه في الحصص، إلا أن هذه الكلية بخلاف باقي الكليات تُخصّص برنامج تدريب لطلبة الدراسات الإسلامية في مهن عَمليّة كمهنة العدول، وارتباطا بعنوان هذا المقطع نعرّج على ذكر عدد من مواضيع بحث التخرج من سلك الإجازة برسم الموسم الجامعي 2016/2017 التي يؤطرها منسق الشعبة (تحريم أكل الخنزير والضرر الصحي لتناول هذا اللحم، حكم الشرع في التداوي بالمواد الكيماوية، فوائد بول الإبل بين الصحة والشريعة الإسلامية) هذه المواضيع كما صرّح الأستاذ مرتبطة "بمتطلبات العصر".

§ علوم "تحريف" القرآن: هذا النص هو تقرير عن حصة د.مصطفى بوهندي التي درّس فيها علوم القرآن، وكيف يقدّم الأستاذ نظرته لعلوم القرىن بكونها "روايات تاريخية مرتبطة بقراءات معينة للقرآن" كما أنها "مجالات بحث حددت من قبل علماء" وبالتالي هي ليست علوم منزلة من السماء، وعليه يكون إنتاجها مرتبط بسياقات تاريخية ما يتطلب "قراءتها بنسبية"، وبما أن هذه العلوم -كما يقول بوهندي- موظفة في التاريخ الإسلامي فهو يعتبرها علوما لتحريف القرآن"، وفي خضم حديثه هذا كان الطلبة يتدخلون بحماسة ويقابل الأستاذ حماسهم هذا بتفاعل بارد كما يصف صاحب المقال.

§ تاريخ أسلمة الجامعة: يختتم السموني مقاله هذا بالسياق التاريخي الذي ظهرت فيه شعبة الدراسات الإسلامية بالجامعة المغربية (تم إنشاؤها سنة 1979-1980) حيث اعتبر إنشاءها جاء "لتعويض شعبة الفلسفة" كما يحيل إلى رأي محمد العيادي في كون تأسيس شعبة الدراسات الإسلامية جاء "لضرب الشبيبات المدرسية (العلمانية) التي كانت حاضرة بقوة في الوسط المدرسي الجامعي"، إذا إنشاء هذه الشعبة مرتبط بالأساس بتوجه الدولة التي سعت إلى ضرب التوجهات الأيديولوجية اليسارية بأيديولوجية إسلامية سلفية.

مناقشة وخلاصات:

 المقال هو وصف لبعض جوانب وحيثيات تدريس شعبة الدراسات الإسلامية بالجامعة المغربية، رصد لنا العلاقات الأفقية في حالتين:

الأولى التي تجمع بين أساتذة الشعبة وما يسودها من توتر أحيانا سببه التوجهات الفكرية المختلفة اختلافا عميقا أحيانا، كما يسود هذه العلاقة طابع التكتل في أحيان أخرى لفرض قرارات تخص الشعبة على إدراة الكلية.

والثانية هي علاقة الطلبة بعضهم ببعض وما يرافقها من خصوصيات (عدم الاختلاط) تكون اختيراية غالبا –وهو الشيء الذي تغاضى عن ذكره الكاتب بما هو حق واختيار- ولكن قد تصبح شبه مفروضة عندما يسعى بعضهم إلى فرض تلك القوانين الخاصة على من يرفضها.

وكذلك يتضمن المقال نوعية العلاقات العمودة وهي المتجسدة في علاقة الإدارة بأساتذة الشعبة وما يرافقها من إشكالات الالتزام بالتوجيهات البيداغوجية للمواد المدرسة، وكذلك علاقة الأساتذة بالطلبة التي تتراوح بين أستاذ ملقّن-طالب متلقي، وأستاذ-طالب متفاعلان.

 حضور الدراسات الإسلامية في الجامعة المغربية -في رأيي- هو ليس أسلمة لها بغض النظر عن ظروف السياسية التي أنشئت فيها، بل هو تصالح هذه الجامعة مع موطنها، حيث يبقى الدين مكونا أساسيا من مكونات المجتمع المغربي، بل الدراسات الإسلامية اليوم تدرّس في جامعات أوروبا وأمريكا نظرا لأهميتها في تشكيل ثقافة المسلمين عبر العالم، ومن ثّم وجب إقامة مباحث أكاديمية لدراسة الجوانب المتعددة من العلوم الشرعية خصوصا تلك المرتبطة بالواقع المعيش.

تجديد المناهج وتحيين القراءات الشرعية للنصوص يأتي على رأس الأدوار المنوطة بشعبة الدراسات الإسلامية، حتى لا تتحوّل هذه الشعبة إلى "زوايا دينية" داخل الجامعة، والحاجة ماسة إلى طلبة وباحثين متخصصين في العلوم الشرعية للقيام بهذه المهمة التي يصعب على غيرهم القيام بها. فآفة التطرف التي يعاني منها العالم اليوم والتي تستند إلى قراءات تاريخية للنصوص الشرعية إضافة إلى داعي فتح أبواب الاجتهاد وترميم التراث الفكري والثقافي، هي مداخل أساسية تنتظر من القائمين على الشعبة جعلها من أولوياتهم، حتى تكون ثقافتنا مساهمة في  بناء مجتمع منفتح، مسالم، ومتنوع، يقبل الآخر المختلف ويمنح الآخر ثقة احترام خصوصيتنا.