يعاني المشروع الإصلاحي بتوجهيه السياسي والدعوي انحصاراً واضح أو إن شئت قل بداية تراجع ناتج عن أسباب مختلفة، وحال المنتمين إلى هذا المشروع أمام هذا التحدي أشبه بحال سكان قرية أسفل جبل، لم يغيروا في شكل قريتهم منذ بنيت سوى ما يصعب إحصاؤه، وهاهم اليوم واقفين مصدومين من هول ما يرون، فقد انحدرت صخرة عظيمة من أعلى الجبل وهي تشق طريقها إليهم منذرة بهدم سقوف بيوتهم فوق رؤوسهم، فلا نجاة لهم كما يبدو إلا ببناء سور عظيم أو حفر خندق سحيق بينهم وبين ذلك الجبل، حتى ينجوا من هذه الصخرة ومن كل شر قد يكون مصدره علاقة الجورة بين قريتهم والجبل، فيا ترى هل سيتخد سكان القرية هذا الخيار الصعب والاستراتيجي الذي سيغيٓر ملامح القرية؟ أم أنهم سيتحملون خسائر كل صخرة تنحدر عليهم من الجبل حتى تقضي على أهل القرية تباعاً؟
إن هذا المثل بصيغته القصصية لا يعكس الواقع بتعقيداته، لكن التشابه بينه وبين الوضع القائم وطبيعة المرحلة ليس من قبيل الخيال كما يقال في نهاية بعض الأفلام، وإنما هو تشبيه يستند إلى معطيات ومؤشرات واقعية، تسائلنا عن ما الذي يمكن أن نقدمه من حلول استراتيجية في أدبيات المشروع الإصلاحي لتجاوز هذا الانسداد في الأفق والذي يزداد انسداداً حيناً بعد حين.

أجوبة جديدة لأسئلة قديمة:

هذا ما نحتاج إليه اليوم، أول هذه الأسئلة هو ما علاقة حركة التوحيد والإصلاح بالسياسة الداخلية في المغرب؟ وما هي ارتباطاتها بحزب العدالة والتنمية؟ وهل من تأثير إيجابي أو سلبي لهذه الارتباطات على عمل الحركة في مجالات تخصصها [الدعوة، التربية، التكوين] وعلى صورتها في المجتمع والإعلام؟


للإجابة على هذه الإشكالات القديمة بقدم تأسيس الحركة لا يمكن العودة إلى تكرار نقاشات تجاوزها الواقع (حكم الديموقراطية في الإسلام، حاجتنا إلى أحزاب إسلامية، الخلط بين الدعوي والسياسي أو التمايز بينهما..) وإنما أجوبة هذه الإشكالات مشروطة بسياقات سياسية دولية (تنامي ظاهرة التطرف في البلدان الإسلامية وبالتالي تضخم الإسلامفوبيا) وإقليمية (فشل أو إفشال بعض تجارب حكم الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية)، ووطنية (اتسمت بتشكيل تحالف حكومي لا يعكس نتائج انتخابات 7أكتوبر، وتزايد المشاكل الداخلية لحزب العدالة والتنمية). فمن غير المعقول بالنسبة لحركة تجديدية أن تغيب آثار هذه التحولات عن مراجعياتها وأدبياتها.


شراكة بعوائد عكسية :

"الاجتهاد مع الآخرين من أجل توسيع الحرية والممارسة الديموقراطية" هذا المبدأ الذي تضمٓنته الرؤية السياسية لابد أن يأخذ مكانه المعتبر في هذه الورقة ويُدعٓم بمزيد من الإجراءات والتعديلات الأخرى، فحركة اليوم مطالبة بأن تكون منفتحة على باقي الأحزاب الوطنية الأخرى، ومتعاونة مع مكونات المجتمع المدني والحقوقي الذي يسعى إلى تحقيق مزيد من الحرية والعدالة الاجتماعية، وترميم صورة الحركة في الإعلام المرئي والمكتوب الذي تكاد لا تذكر فيهما إلا مقرونة ومصحوبة بختْم "الدراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية"، كلٓ هذا لا يمكن تحقيقه في ظل "الشراكة" مع العدالة والتنمية، التي يقال عنها استراتيجية لاستبعاد أي تخمين أو اجتهاد يدعو إلى مقاربتها في ظل تحولات لا يمكن نكرانها.


الوظيفة الأولى للحركة هي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بتربية الأجيال الصاعدة على القيم والأخلاق الإسلامية السمحة ودعوة كافة المغاربة إلى ترشيد تدينهم وفق منهج معتدل لا يخلٓ بروح الشريعة الإسلامية. علاقة بمسألة الشراكة يُطرح هنا إشكال كبير يبدو أنه ساذجا في البداية، هل الحركة لا تدعوا إلا المغاربة المتفقين سياسيا مع العدالة والتنمية؟ لنفهم الواقع كما هو، هذه الشراكة قد تكون جدارا مانعا يصد أصحاب الرأي السياسي المخالف عن استقبال مبادرات وعطاءات الحركة بصدر رحب، خصوصا أن السياسة أرض خصبة للخصومات، فكيف يا ترى ستدعو الحركة إلى مشروعها خصوم العدالة والتنمية من السياسيين وعوام المجتمع الذين يزدادون يوما بعد يوم؟


الأحزاب الإسلامية لا تحتاج إلى رعاية الحركة :

لا المغاربة ولا أعضاء حركة التوحيد والإصلاح يحتاجون إلى توجيه أو جموع أو خطابات لدفعهم إلى التصويت على حزب دو مرجعية إسلامية يسعى إلى الإصلاح بمنهج وسطي معتدل، وأن المنتمي إلى هذه الحركة عن وعي وإدراك لا يعقل أن يدعم توجها سياسيا يتناقض وثوابت الإسلام، بل إن الحركة تخسر فئات عريضة من المجتمع المغربي يوما بعد يوم عندما تتخندق في جبهة الدفاع عن حزب واحد، بدل أن تعبٓر عن دعم سياسي لجميع الأحزاب الوطنية النزيهة التي تسعى إلى استكمال الانتقال الديموقراطي بالمغرب والتي لا تتبنى برامج تتنافى مع قيم وركائز هوية المغاربة.


ضمن هذا السياق تحتاج الأوراق المرجعية للحركة مزيدا من التوضيح في مسألة ترشح أعضائها في أحزاب أخرى غير حزب العدالة والتنمية، لتكون حقوق العضو محفوظة ويصان شخصه من أي عذل أو عتاب إن أقبل على مثل هذا الأمر.


السياسة مواقف كما يقال والشراكة التي تجمع الحركة مع الحزب يجب أن ينظر لها من هذا الجانب وليست بمسألة استراتيجية، لأن الواقع السياسي دائم التحول، فالسعي إلى تحقيق التوافق مع القوى السياسية الوطنية هو الجواب الأنسب للحركة على سؤال المرحلة والأجدى كموقف سياسي يطمح إلى تحقيق العدل والحرية .