ما أسْعَد أن أُعايش عَدْل الله وحِكْمَتَهُ في واقِعي، لاحَظْتُ صباح اليوم سقوط شىءٍ تبيعُه إحْدَى البائعات في أثناء مرورِها في الاتّجاه المُعاكس لوجْهتي، فالْتَقَطْتُهُ مِن الأرض وردَدْتُهُ لها، وفي أثناء عَوْدَتي في مساء نَفْس اليوم ومِن نَفْس الطَّريق، اشْتَرَيْتُ أغْراضًا مِن إحْدَى المَكتبات، وبينما أُدْخِلُ الباقي في جَيْبي، سَقط منّي مالٌ بمقدار ثمن الشَّىء الذي أعَدْتُهُ للبائعة، فغَفِلْتُ عَنْهُ وأكْمَلْتُ سَيْري في طَريق العَودة، وفجْأةً سمِعْتُ صَوْت فتاةٍ صَغيرَةٍ تُناديني مِن خَلْفي بعدما تَعِبَت مِن أَثَر تتَبُّعي مِن بدايَة الطَّريق حتَّى وصَلَت إلَىّ قائلَةً : "الفلوس دي بتاعتك يا عمو،وقعت منك وانت ماشى"، فقُلْتُ لها والدَّهْشَةُ في عيْني والبَهْجَةُ في قَلْبي : "الفلوس دى بتاعتى ووقعت منى؟،شُكْرًا"

أن تَجِد ما قد أسدَيْتَهُ مِن مَعْرُوفٍ لأحَدِهِم يُرَدُّ إلَيْك في نَفْس اليَوم وفي نَفْس المكان وبِنَفْس الطَّريقة، يَسْتَدْعِينا أنْ نَسْأل أنْفُسَنا : كَم مَرَّةً سَنَحَت لنا الفُرْصَةُ لِمُساعَدة الآخَرين الذين هُم في أمَس الحاجَة للمُساعَدَة ولَم نَفْعَل وتكاسَلْنا رُغْم أنَّهُ لَم يَكُن ليُكَلّفنا أىّ شىء؟، وكَم مِن مَرَّةٍ لَم تَسْنَح لَنا فيها الفُرْصَة لمُساعَدَة آخَرين لَم يَكُونُوا في حاجَةٍ إلَيْنا، ومَع ذلك بذَلْنا كُلَّ جُهْدِنا لِمُساعَدَتِهِم؛ لِسُوءِ تَقْديرٍ مِنَّا؟، كَم أضَعْنا مِنْ فُرَصٍ ذهبيَّةٍ لاكتِسابِ رَصيدٍ كبيرٍ مِن أجر الإحْسان دُون عناءٍ يُذْكَر!،وكَم أهْدَرْنا مِنْ جهُودٍ مَبْذُولَةٍ في غَيْرِ مَحلّها!. .

قالَ اللهُ تعالَى في كتابِه : "وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ۚ وَهُوَ السَّميعُ العَليم"

صِدْقًا، إنَّ الله لا يُضيعُ أَجْر المُحْسِنين. .