بكائيةٌ منقوشة علي باب زويلة

كان يمشي بثبات .رافعاً هامته نحو السماء. بشموخٍ وعزة كأنما هو ملكٌ يتوج. نظراته ثابتة جامدة وهو يتجه صوب مصيره المترائي أمام عينيه إلي مشنقةِ حتفهِ .يتراقص الموتُ امام عينيه فينظر إليه باستهانة كأنهما في حلبةِ قتال يتقارعان بالسيفِ وحانت له لحظة ظفر

وقع اقدامه منتظمة كأنما هي طبول حرب تصب اللعنات علي الخائنين وعلي المنتشين بنصرٍ زائفٍ قام علي الغدر والخداع. اصوات العامة تتعالي في هتاف بإسمه:طومان باي طومان باي تمتزج في اعينهم نظرات الحسرة والأسي فهو الرجل الوحيد الذي طالما احبوه هو من دافع عنهم ودفع عنهم قدر استطاعته ظلم بني جلدته من المماليك كأنما هو نبتة خضراء زاهية وسط حشاش الغي مصباح نور في مشكاة ظلام وقهر.يداه مقيدتان بأصفادٍ واهية تتضاءل في خجل امام بأسه ورباطة جأشه وقدماه تتسربلان في السلاسل حتي تثقُلَ خطواته ولكنه يمضي في طريق الردى بثبات كأنه يلبي نداءاً خفياً لا يسمعه أحدٌ سواه . تقدم نحو المنصة وطفق يعتلي درج المشنقة الواحدة تلو الأخري وشفتاه تتمتمان بقراءة سورة الفاتحة مرت امام عينيه في سرعة خاطفة الاحداث الجسيمة التي مر ومرت معه مصرُ بها ازدرد المرارة وهو يبتلع ريقه تذكر ما فعلت الخيانة به وما فعلت بدولته المملوكية الضاربة بجذورها في تاريخ مصر تذكر الخونة الرعاع عبيد السلطة وعبيد المال المتنفسون بالغدر الناقضون العهد تذكرما فعله خاير بك بعمه السلطان الغوري في سهل مرج دابق وما فعله چان بردي الغزالي به في الريدانية وما فعله حسن بن مرعي في مصر اه من طعنات الخلف الم الغدرِ كل مرة يفوق الم الطعن ملعونة تلك الخيانة التي ولدت بين بني البشر من قديم الازل منذ ان غدر قابيل بأخيه هابيل .قرأ البطل الفاتحة ثلاث مراتٍ وطلب من الناس الملتفين حوله في لوعة قراءتها اثناء صعوده درج مشنقته العالية. نظر للناس نظرة حانية لطالما احب اهل مصر ولطالما احبه اهلها حتي ضج منه اصله الشركسي وانزوي عنه في ركن ضئيل في ذاكرته ينطوي بالكاد علي ذكريات طفولته ومرتع صباه قال لعامل المشنقة قم بشغلك واستشرف برقبته في عزة كأنما هو ملكٌ يتوجُ بإكليل نصره حتي احكم حبل المشنقة الغليظ علي عنقه وهو يردد الشهادتين وينظر نظرة وداعٍ إلي اهل مصر جذب العامل ذراع المشنقة فهبط جسدهُ وارتفعت اصوات الناس تدعو له وتهتف بأسمه كأنما هو بين اظهرهم وكأنما لم يحدث له شيء.....

د. أحمد عبد السلام