منذ سنوات مضت عندما كان أولادي صغارا، كنت أجلس معهم مضطرا لأشاهد أفلام الكرتون وبرامج الأطفال، في البداية كنت أجلس على مضض لأتظاهر وكأنني أب مثالي حنون بينما في الحقيقة أنتظر بفارغ الصبر ليناموا حتى أتمكن من مشاهدة الأخبار. ومع مرور الوقت بدأت أشعر باستمتاع غريب؛ فتحولت من المشاهدة الإجبارية إلى المشاهدة الإرادية، يبدو لأن طفولتي لم تكن بحظ طفولة أولادي من حيث وسائل الترفيه والتسلية واهتمام وسائل الإعلام والبرامج والقنوات الفضائية بهم.

"عالم سمسم" كان من بين البرامج التي أدمنتها وأصبحت أتابعها مع أطفالي يوميا، حتى أنهم كثيرا ما كانوا ينامون وأستمر أنا في مشاهدة البرنامج بشغف وانبهار بينما تراقبني زوجتي باستغراب وتعجب! كان برنامج "عالم سمسم" يقدم بطريقة بسيطة وشيقة بينما يحمل مضامين تربوية عميقة في سياق كوميدي يناسب الصغار في سن أطفالي، وأيضا يروق (لل-مش-صغار) في سني الذين لم يكن لديهم في طفولتهم ترف مشاهدة مثل تلك البرامج!

من بين الشخصيات الطريفة التي كانت تظهر في عالم سمسم وجذبت انتباهي كثيرا شخصية "فلفل"؛ وهي دمية ذات جسم كبير ورأس صغير تتناسب تماما مع طبيعة شخصيته المركبة الظريفة. كان فلفل هذا فاكهة البرنامج؛ فهو شخص عديم الخبرة، محدود القدرات، سطحي التفكير، ومع ذلك كان لديه إيمان شديد بقدراته وخبراته الوهمية التي ليس لها نظير، فكان يدعي دائما أنه خبييييير في كل شيء، ويعرف كل شيء، وبارع في كل شيء. يزعم أنه خبييييير في الطهي فيحرق طعام الخالة خيرية، يدعي أنه خبييييير في إصلاح الأجهزة فيخرب الخلاط الذي اشترته أخته خوخة، يقول أنه خبييييييييير في البيع والشراء والترتيب فيتركه العم جرجس في بقالته ليعود وقد دمرها، وهكذا يتحفنا فلفل في كل حلقة بمصيبة جديدة نابعة من خبرته العظيمة وبراعته النادرة، وينتهي عمل هذا الخبير على الدوام بنتائج كارثية.

مضت السنون وكبر أولادي للأسف، فلم أعد أستطيع أن أتحجج بهم لمشاهدة عالم سمسم وأفلام الكرتون وبرامج الأطفال. ولا أدري في الحقيقة هل لا يزال عالم سمسم يذاع على الفضائيات أم لا. ورغم أنني توقفت عن متابعة صديقي فلفل في عالم سمسم، إلا أنني تأكدت وأتاكد يوميا من مشاهداتي الحياتية في الجامعة وخارجها وعلى شبكات التواصل الاجتماعي أنه حتى لو توقف البرنامج واعتزل فلفل التمثيل، فسوف يظل فلفل موجودا بيننا، ببساطة لأن فلفل فكرة ... والفكرة لا تموت!