مقدمة/

هذه الحياة يمكن أن تنهار كل قيمها النبيلة ونظامها الحكيم الذى نزعمه في مشهد أو مشهدين في وقت الظهيرة، وأنا هنا لا أمهد؛ لألعن الوجود أو الحياة أو ألمح من قريب أو بعيد لشيء يمس قناعات الناس وإيمانهم الراسخ -مهما اشتدت قسوة سيناريوهات الحياة- حاشا لله، لا طاقة لي للإنزلق نحو هذه المنطقة الشائكة الآن، كما أنني لا أمتلك نظرة وردية عن الحياة وأنتظر أن تكون عبارة عن سلسلة من القصص السعيدة التي لا يتخللها أي فاجعة، ولا حتى أطالب شيئا ما لأن يتدخل بشكل حاسم وفوري لمنع الموت والألم والدماء، تلك أمنيات خيالية لن تحدث، كل ما في الأمر أنني في لحظة ما أشاهد الحياة فيرست في ذهني أنها لا تستحق كل هذا الركض، وأننا في كل يوم تقريبًا نضع وجودنا على المحك ..

1.على الرصيف نضع وجودنا على المحك كُل يوم

اكتمل عدد الحافلة المتجهة نحو مدينة المنصورة، وأنا أجلس إلى جوار النافذة كعادتي، ولكن للأمر ضريبة باهظة، فحتى أحظى بمقعد بجوار النافذة يكون فيه هواء الطريق يُلاطف وجهي بشكل مكثف كلما أسرعت الحافلة، إلا أنني أجلس على مقعد تكسوه طبقة من الجلد، وبسبب قربها من النافذة حدث وتشربت أشعة الشمس لساعات قبل أن أجلس فوقها، لتستحيل موقدًا على هيئة كرسي، يا إلهي متى تموت الشمس؟

بعد أن تجاوزنا نقطة البداية بدقائق، وبعد أن احتدت الاغنية التي أسمعها، ووصلنا للكوبلية الذي يتدفق فيه اللحن بغزارة، ويكون فيه أداء المطرب في البيك “peak”,وقعت عيني على قطة مقتولة دهسًا في منتصف الطريق، دُهست ربما عشرات المرات حتى أصبحت كقطعة لحم مفروم، تلطخ الطريق، فلم أشعر بحالي غير وأنا أوقف الأغنية، حتى نظراتي البعيدة وابتساماتي الخفيفة التي كُنت أرسلها نحو الطبيعة لا لأحد غير المستطيلات الخضراء والنخيل الشاهقات على طول الطريق، توقفت عنها، وصارت قسمات وجهي عابسة بشكل ملحوظ، ولكن في زحام اليوم تناسيت المنظر، وقلت لحالي أن هناك أحداث دموية أكثر من ذلك في أماكن أخري، ولكن حتى هذا لم يكن فيه العزاء الكافي، بل زاد الطين بله، وجعلني أشعر بالغضب أكثر..

في العودة /

لا أعرف لماذا اليوم تحديدًا، وكأن الطريق يُصر بشدة أن يهدم كل محاولاتي لتقبل الحياة، أو أن أراها رغم الآسي والألم جديرة بأن تعاش…

في نفس المقعد ولكن بردت حرارته بعض الشئ، والبحر على يساري، ولكنه لم يكن خاليًا هذه المرة، على جانبيه حشد من السيارات والرجال، عدد لا بأس به من الأطفال. توقف السائق وهرع للحشد، وبعد لحظات عاد، لم نفهم شيئا غير أنه غريق. معلومة ليست كافية، يمكن لأى أحد أن يخمنها من عيون الناظرين في الماء، والذين كانوا لا يحركون ساكنًا، فقط غريق يحاوطه أُناس بلهاء يختبرون مشاعر الدهشة من هول الحدث ولا يفكرون بصدق كيف ينقذون الغريق، فلم أشعر بحالي غير وأنا أوقف الأغنية، حتى نظراتي البعيدة وابتساماتي الخفيفة التي كنت أرسلها نحو الطبيعة لا لأحد غير المستطيلات الخضراء والنخيل الشاهقات على طول الطريق، توقفت عنها، وصارت قسمات وجهي عابسة بشكل ملحوظ.

وشعرت في نهاية الطريق أننا نموت كل يوم، نموت لأننا جُزء واحد، كل إنسان يموت في أقصي الدنيا هو موت لكل إنسان لم يمت بعد، حتى القطة عندما تموت فإننا نموت أيضًا، كل روح تشاركنا وستشاركنا الوجود ولو لحظه، غيابها بأي شكل من الأشكال هو غياب لكل من وجد وعاش هنا.

وجلست أفكر رغم بداهة هذه الحقيقة واعتياد الناس عليها كاعتيادهم الموت كفكرة على غموضه واحتمالاته الغير محسومة، إلا أن مثل هذه الأحداث مازالت تقوى على قلب حياتي رأسًا على عقب مهما تكررت، وقلت لنفسي أنه لا مفر من مواجهة الحقيقة: أن الحياة بشعة وستظل هكذا، ومهما عزف العازفون من ألحان، حتى لو صار الحديث أغاني نغنيها، وحتى لو فُرشت الأرصفة بالورود لن يحجب ذلك قبح الحياة، ففي غمضة عين تأخذ كل شيء، فى غمضة عين يكون الدم ألمع من الحُلم، والغرق يطفو فوق النجاة. أحببت أن أتذكر هذا دومًا، رغم إيماني بخلو الحياة من أي شاعرية أو أرواح كأرواح الهنود المتجددة في أفلامهم، ورغم إيماني بأن الأشياء تحدث لأنها تحدث، نتيجة وسبب، إلا أنني لازلت أشعر بالكآبة والخيبة حيال هذا القبح وما يشبهه مهما اختلفت القصص والمناظر، وأقول كطفل ساذج في كل مرة” يالله ليت هذا لم يحدث، يالله لا تجعل هذا يحدث مع أحد مرة أخرى” . ولكنه يحدث وسيظل يحدث؛ لأنها حياة قبيحة.