1. ( شارع أكبر مما يبدو )

عندما كُنت صغيرًا كان شارعنا ترابي ومازال هكذا، عنيف التعرج وخاصة بعد فصل الشتاء.

تغمره مياه المطر فيستحيل سطحه المعتدل بعض الشيء، ويصبح هشًا تترك فيه عجلات السيارات، وأقدام المارة البالغين أثرها، وما أن يغادر الشتاء، ويبدأ شارعنا في الجفاف بأثر الرياح تارة وبتأثير الشمس تارة أخرى، يبقى للشتاء علامته الغائرة بطول الشارع وغرضه، ولا تصبح مهمة عبوره بالأمر الهين لكبار السن، فيلجئون للعكاز ليكونوا بمأمن من غدرات تضاريسه الجديدة والغير متوقعة، وكان لتربة شارعنا شيء من الحدة في شكلها، قد زالت الآن، وكأنها شاخت مع الزمن وأصبحت ناعمة كنعومة رمال الصحاري من كُثرة الركض ووطء الأقدام.

2.في القيلولة عندما يلعب الصغار بالشارع

بعد العصر ذات يوم كان الصوت القادم من الشارع ينم عن حيوية غير معتادة، فبمرور الوقت كان أطفال الشارع يكبرون ومنهم أنا، حتى أصبح تقريبا شارعًا بلا أطفال، و حتى ما بقي به من صغار الآن ينكفون على أجهزة التابلت والالعاب الالكترونية في منازلهم، ما هو سبب الجلبة إذن ؟

لقد تبدلت قواعد اللعبة، الآن أنا الأقل حيوية، الكبير الذى يخرج بعيون كسولة ويرتدي حمالات بيضاء واسعة بعض الشيء، وينظر من الأعلي بغضب مفتعل؛ لبث الخوف في تكتلات الصغار أمام المنزل وجعلهم يتفرقون سريعًا، لكنني لم أفعل ذلك، هرعت نحو بلكوني، ولكني قبل أن انفجر بهم قررت أن أغير الخطة، و أكتفي بالمشاهدة فقط.

مضي وقت كبير على أخر مرة أشاهد فيها صغارًا يلعبون، لقد كبرت فجأة هذا الأمر بات واضحًا وخاليا من المبالغة الآن.

كٌل شيء لم يتغير، الألعاب بنفس الجودة تُنفذ، هذا باعث على الارتياح بعض الشيء، حجرين هما القائم، أما العارضة الثالثة، فيمسكها الرب "لا توجد"، وبالتالي أي كل هدف مرتفع أكثر من اللازم، يرتفع صوت الحارس قائلًا " عالية" يعني هدف لاغي، وكنت قد كتبت ذات مرة عن مرمى كرة الشارع :

"المرمى التي كانت عبارة عن حجرين كانت تعلمنا أول درس في المماطلة والإنكار، إذ أنه لو لم تدخل الكرة زحفًا، يمكن أن تعتبر الهدف لاغيًا بألف حيلة" .

بلا قواعد واضحة، ولا حكم ساحة، وليس هناك من يحسب الأهداف، كرة للمتعة فقط، وسط سحابة ترابية تغطي ملامح الصغار، وتسقط منها ذرات التراب الناعمة على سواعدهم المصبوغة بلون خمري، فتُزيد مع العرق من دُكنته، هذا بالاضافة لتعرضهم طيلة النهار للشمس، وهم رغم أجسادهم الهزيلة يستمتعون بالعبث الدائر، والعجوز الذى قد جر جسده بالأسفل وفي يده مقشة بلح طويلة يُمارس نفس الذي كان يفعله معي عند الطفولة، ولكن قواه قد خارت كثيرًا عن السابق، ولكن ضجره من الصغار لم يقل، يتحين لحظة وقوع الكرة في يديه، ويجز على أسنانه كمن يستعد لأن يأكل الكرة لو وقعت في يده، والصغار لا يكترثون لوعيده، وعجبت لوهلة من تكرار المشاهد ومن الزمن، وتساءلت لماذا مشهد كهذا يواصل اثارة حفيظة العجوز طيلة هذه السنوات؟ وما الذى يدور في عقله عندما يشاهد مثل هؤلاء الصغار يلعبون بحيوية ودون أن يصيبهم كلل؟ هل الضجيج هو كل ما يثير غضبه؟ أم أن عروضًا كهذه تكون بمثابة تذكير صارخ له بسطوة الزمن؟ لا أعرف … لكن المؤكد أن لحظة كهذه ستظل محفورة في وجداني عن شارعنا، إنه الآن شارع أكبر مما يبدو، طالما كان كذلك، لكنها جلية هذه اللحظة.

2. كنت نفس هذا الطفل الذى أنظر إليه الآن بابتسامة متعالية

أمر ذات صباح بعيون كسولة لا تقوى على الصمود مفتوحة ولو قليلًا في وجه الشمس، برغبة في العيش قد لا تتجاوز رغبة سبعيني، لا أخطو لشيء أكثر من مجرد أن أحضر طعامًا للإفطار، وبينما أواصل السير نحو وجهتي، يصادفني مجموعة أخرى من الصغار يلعبون الكرة أيضًا، ودون أن أشعر وجدتني أبتسم بداخلي ابتسامة متعالية قليلًا، تلك التي كنت استنكرها من الكبار عندما كنت في نفس موضع هؤلاء الصبية، وانا العب في الشارع مثلهم أمام البيت أو أمام بيت المدرس قبل حصص الدروس الخصوصية.

هذه النظرة التي لم اكن افهمها والآن امارسها تماما والحقيقة أنني لا أعرف لماذا أفعل ذلك هل لأنتصر أخيرًا ومعنويًا للطفل بداخلي؟ أم لأنني أصبحت أرى الصورة من الأعلى تماما مثل الكبار وقتها؟

لا أعرف لكنني وجدت أن الأمر ببساطة أنني أكبر، ونعم ربما تقل قيمة ما نفعله كلما كبرنا، نحن في الطفولة ضئيلون جدًا، أقل قيمة حتى لو من المرح بكرة جلد في شارع ملىء بالغبار كانت كافية لتغمرنا بالسعادة، وأقول لنفسي، يالله! حتى المرح يفقد قيمته كلما كبرنا!

*مقدمه*

في الروضة، لم أدخل روضة المدرسة، ولقد شكل هذا الأمر على رغم بعدي عنه الآن تأثيرًا كبيرًا على شكل حياتي، إذ أن التحاقي بروضه أهلية لثلاث سنوات وربما أكثر علمني كثيرًا، ولكنه خنق فرصتي لأن يكون لى رفاق قبل أن التحق بالابتدائية، فلقد كان غالبيتهم قد التحقوا بروضة المدرسة، وقضوا سنتين معًا قبل الابتدائية، أما أنا فدخلت الابتدائية لأجد وجوهًا لم أرها من قبل في حياتي…

2. فى الروضة قتلت مئات الأجنة

لى قصة طريفة قابعة في ذاكرتي بخصوص هذه الحقبة، ولطالما أحببت أن أفصح عنها وأرويها، إذ أني بقيت لسنوات حتى الثانوية ربما أحفظها في سريرتي ولا أخبر أحد عنها، وكنت كلما مرت الأعوام أشعر أن خطورتها وفداحتها تقل رويدًا رويدًا مما جعلني ذلك أشعر بالضيق، وأقول لو أنني أخبرت أحدهم وقتها عنها، لربما كانت لتلمع عيناه، ويراني واحدًا من صفوة الاشرار ومرتكبي الجرائم الذين لا يعثر عليهم أحد، ذلك لأنهم محترفون وناجحون جدًا في إخفاء آثار جرائمهم، لكنني لسبب مجهول كنت أواصل كتمان السر، و ينمو بداخلي شعور ايجابي- موازٍ لشعور بالضيق- نوعا ما عن الأمر، أجد فيه سلوانًا عن الفداحة التي تتلاشى بخصوص فعلتي، وكنت أجلس في طفولتي وأنظر في عيون الصغار اقراني، واتعامل كطفل وديع بينما عقلي يقول: يا إلهي كيف تقدر على خداع هؤلاء، وتظهر كم أنت إنسان طيب وبريء؟ في الوقت نفسه الذي أتذكر فيه ما فعلت من أهوال، ويأخذني الزهو بنفسي عندما تمر الأيام، وأحدهم لم يكشف فعلتي، ولم تتغير النظرة المأخوذة عني، كنت أستمتع حقًا بالأمر رغم صغر سني.

وكانت الفعل الفادح الذى أراكم الآن متحمسين لسماعه ولا تطيقون مزيدًا من الإسهاب قبله، والحقيقة أنني أيضًا ليس في صالحي أن أواصل في السرد أكثر من ذلك؛ لأن ثمة اختبارات تنتظرني بعد غد، لذا فأنا بصدد أن أخبركم بالسر العظيم أخيرًا، بعد أعوام من الصمت .

ذات يوم في الروضة الأهلية استأذنت لدخول الحمام، وكان الحمام ضيقًا ولكنه في ساحة فسيحة وراء حجرة الحضانة هكذا نسميها، هذا الساحة بها المراجيح وبعض الألعاب وخلفها الحمام وإلى جواره حظيرة لتربية الطيور، وكان الوقت قبل الظهر هو الوقت المثالي لترديد الدرس وراء المعلمة، في وحدة متناغمة يواصل الجميع الترديد، ومن ينسل من هذا الجمع فى هذا التوقيت تحديدًا، لأي داعِ فإنه بذلك يملك حرية لا يملكها أحد، إذ يسقط من الذاكرة، وتغيب عنه ملاحظة الجميع، عليه فقط أن يخرج للحمام ويغلق باب الحجرة الخلفي، ويكون بمقدوره بعدها أن يجرب المراجيح بمفرده دون زحام، أو يجرب العبث بأى شىء آخر، إذ أن صوت الأطفال الذي لا ينقطع هو بمثابة تشويش رائع لأي جلبة يحدثها أي شخص يعبث بالساحة، ومن هنا بدأت جرائمي كأصغر قاتل متسلسل

دخلت في هذا اليوم استكشف الحظيرة، فوجدت سلات من بيض ضخم، وكان منظر البيض يستفزني، كما أنني أشعر بالملل من فقرة ترديد الدرس، وضيق وقت الفسحة، والساندوتش الذى في الغالب يسقط منى،

ولا أعرف من يأخذه، ماذا أفعل؟ أريد أن أفعل شيئًا لم أفعله من قبل…. حسنا سأقوم بالتهويش لإبعاد الطيور، والسلة الأولى بسم الله، وأنتظر حتى تأتى أعلى صيحة من الرفاق بالداخل؛ لأقذف تزامنا معها البيضة في منتصف الحائط، والبيضة الثانية، وهكذا حتى أفرغ كل سلة تاركًا بيضة أو بيضتين حتي لا انكشف، كما أقوم بدفن قشر البيض في التربة، وأترك الحائط أصفرًا تفوح منه رائحة لا اتمناها لألد اعدائي، وأغسل يدي جيدًا، وأعود للحجرة مع الرفاق، لا تبدو على ملامحي أي شىء، وكنت أمرن نفسي على ألا يبدو على ملامحي ما ينكشف على اثره أمرى، وإن حدث وجاءت صاحبة الدار لتكشف الأمر، لن أبدو متوترًا، أنا الآن قاتل محترف، أفكر في كل الاحتمالات وأجهز لأن أتجاوزها، لا يجب أن انكشف مبكرًا، وظللت أكرر فعلتي هذه لمرات ومرات حتى انتهت حقبة الروضة دون أن ينكشف القاتل، أو يشك أحدهم في سلوكه، وأنا الآن- لما تذكرت مثل هذه القصة الطريفة والتي تنم عن مشروع قاتل متسلسل لم يساعده المجتمع ليحترف مثل هذه المهنة الجليلة - أشعر ببعض الأسف حيال الأمر، ولو أن البط في يوم ما أصبح مهددًا بالانقراض، بالتأكيد سأكون واحدًا ممن ساهموا في ذلك، أتمني أن يسامحني محبو البط وقتها على كل حال.