أعراض الانسحاب /

ها نحن ننحسر من المكان يومًا بعد الآخر، نمحو أسماءَنا من الأوراق، نستلم الصور، والملفات ذات الحافظة الحمراء السميكة نوعا ما، التي أعددناها وقت أن التحقنا بهذا المبنى، بيانات الدرجات، وإخلاء الطرف من البنايات المتفرقة، آخر وصل دفع، وآخر ختم أزرق عصي الثبات ننتظره بحذر دون أن نقرب ظهر الصور حتي لا نمحو معالمه كما نفعل مع مشاعرنا وذكرياتنا ، لا نحاول الاقتراب منها حتى

لا تنهار ملامحنا الثابتة "التي تبدو ثابتة" تماما كحبر الأختام المُخفف.

فوجئت من معلومة أننا نتسلم كل شئ قدمناه للجامعة قبل الرحيل، لم أقوَ على تمرير الأمر دون أن أشعر بدراما في التفاصيل، لماذا يحدث ذلك؟ لماذا لا نترك أثرًا هنا، أود أن أترك ملفي ليشهد على كل الأيام، ليخبر الحاضرين من أنا، ليتركهم مع ملامحي ومشواري يخمنون كيف كانت رحلة هذا التعيس هنا، لكن هذا لا يحدث، الجامعة تتعجل، ليس هناك مجال للوقوف عند قصتك، لا أحد يكترث، هكذا تمضي الحياة، أنت رقم يمكث لفترة ويواصل العداد كتابة الأرقام التالية، ملف يقبع في الخزانة لبعض الوقت، ويعود إلى مكتبك مجددًا ليأتي ملف آخر وقصة أخرى لتحل مكانك

فاصل للبعض مثلي وليس للجميع/

تتبدل الملامح، تتغير الوجوه تدريجيًا، تصبح الأماكن التي كانت تعج بملامح مألوفة وابتسامات تحفظ قسمات وجوه من يبتسمونها إلى مجاميع من الغرباء،

لا تربطك بهم صلة ولا تجمعك بهم عاطفة أو قصة.

يجب أن ترحل في أسرع وقت. المكوث هنا والتخلف عن حشدك المعتاد، ستكون نتائجه غير جيدة بالنسبة لك، إن كنت تمارس الاعتياد طيلة الماضي، اعتياد الألفة واعتياد الصحبة، واعتياد الأماكن التى لا تجربها إلا وفي يدك فريقك المفضل من الرفاق.

كلمة لأبي /

أقول لك أنني فعلت ذلك، وصلت للمحطة الأخيرة، بقصة شعر قصيرة تلك التي تعجبك جدا وليست تلك التي أترك بها شعري طويلا أعلم أنها لا تروقك، أعتقد أنني سأثبت على تلك القصة لبعض الوقت، لأحافظ على شعري من التساقط قدر الإمكان..

اااه نسيت وبذلتي الفئراني أعتقد أنك تحب هذا اللون، كنت أتمني لو تراني بها، وددت أن أعرف رأيك في الأمر، كثير من الأصدقاء أخبروني أنها رائعة، ولكن كان ينقصني رأيك على كل حال

أود أن أعبر لك عن وافر امتناني أيضا على اختيارك لاسمي، صحيح أنني كثيرا ما كنت أظهر ضجري من أنه اسم مبالغ في عاديته وتكراره، ولكنه اليوم منحني أفضلية في ترتيب مقاعد الخريجين، في المقصورة، في الصف الأمامي، حيث الكاميرات تحاوطني من كل جانب، لكني لم أكن سعيدًا كفاية رغم ذلك، فقد كُنت أسترق النظر بين الحين والآخر لمقاعد أسر الخريجين بحثًا عن عينيك اللاتي لا تشبههما عينان، وابتسامتك التي لا تشبهها ابتسامة، ونظرة فخرك التي لا تشبهها نظرة، لكني لم أجدك يا أبي، وإني لو قيل لي أن أدفع الباقي من عمري وقتها في مقابل أن أجدك بين الحاضرين في تلك اللحظة لما ترددت لحظة واحدة،

ويقول المنشد ذو الصوت العذب "ووالدي أنفق عمرًا طويلا، لأبقى فأرقى عنان السماء"، فأبحث عنك مجددًا بعين يحرق الدمع الحذر جفونها فلا أجدك أيضا، لأنك بعيد جدًا الآن، لكنك رغم ذلك أكثر الحاضرين في قلبي. أحبك .

كلمة للأصدقاء/

وأنتم يا أصدقاء، كيف تفعلون ذلك؟ كيف تكونون بهذا الجمال من الداخل تماما كالخارج، أحبكم جميعًا، ولكم خلود بقلبي مهما فرقتنا الدنيا. طيلة ساعات الحفل تحيطون بي، الإطراءات على طلتي لا تتوقف، الأحضان، والصور الدافئة. لم تجد الوحدة أو حالة الانزواء بعيدًا عن الحشد فرصة لحصاري، لم أشعر لدقيقة أنني معزول عنكم، كم هو صائب قراري عندما اخترت أن أكون بينكم

كلمة لكِ /

وأنت بطلة بسيطة لم تستغرق منكِ وقتًا طويلًا، بقميص أخضر وسط مئات من الفساتين المبهرجة، قميص كلون مشروبي المفضل عصير الليمون بالنعناع المنعش، تفعلين بي ما يفعله هذا المشروب وأكثر وبدون افتعال يبدو على أي حركة تقومين بها تخطفين أنظاري، وبصوت له وقع من أسكت كل ضجيج الحفل ومنعه من مواصلة المرور عبر مسامعي، وابتسامة رقيقة لها وقع من أزال كل عناصر الصورة من زحام وحركة أمام عيني.

وأقول لنفسي كيف لهذه الفتاة أن تسلبني من كل هذا الحشد دون أن تقصد ذلك، ودون أن تبذل في سبيل حدوثه أي مجهود؟ وكيف تعيد لرجل مثلى صوابه وتفقده إياه في آن واحد؟ وأقول دوما لا أريد شيئًا أكثر من رؤيتك، وأن يبقي للحديث بيننا بقية، وألا تغيب طلتك عني أبدًا، وأقول دوما أنني لا أريد شيئًا أكثر وأعلم أني أريد أكثر، فلا تصدقيني في كل ما أقول

لحسن حظي تكونين حاضرة في المشاهد الأخيرة، لحسن حظي أراكِ دوما وأنا أسدل الستار على لحظاتي التي لا تُنسى. تزاحمين أقداري، وأحب لو تسبقينها دائما وتصلين لى قبلها.

كلمة للجميع/

ها نحن ننحسر من المكان، وتأخذ ملامحنا في التبدل حتى تستحيل وجوهًا أخرى بقصة أخرى وبحفل آخر في نهايتها، ولكن مهما يكون انحسارنا ومهما قلت وتلاشت الأوراق التى تخبر عنا هنا، إلا أننا نقشنا أسماءنا وملامحنا ببطء وإيمان في القلوب والذاكرة لسنوات، سنبقى في ذاكرة الجميع حشد واحد أقوى وأطول عمرًا من خامة حافظة ملف التقديم وأحبار أختام الحكومة، وخطابات الإخلاء، حتى الداتا الرقمية التي تمتلكها الجامعة عنا، قصتنا ستبقي وتصمد أكثر منها.

كنا سويًا لسنوات يربطنا مصير واحد، وسنواصل الأمر هكذا للنهاية.

ولا أقول وداعًا، لأن اللقاء سيتجدد كلما سنحت الفرصة، أنا أؤمن بذلك، وأنتم أيضًا يجب أن تفعلوا هكذا،

محبتي للجميع بلا استثناء….