هرج ومرج يصل لحد التراشق بالحقائب والأقلام " هييييييه، هييييييه وعلى ما يبدو من مقعدي هنا أن السبب في غاية السُخف، ولكن هؤلاء الصبية في سعادة غامرة، لقد كانوا يحتفلون بتحقق أمنية مشابة في كارثيتها لأمنية الصغار بأن يصبحوا كبارًا … كانوا يحتفلون بأن مدرسًا ما أو ربما المدير بشحمه ولحمه سمح لهم أن يستخدموا القلم الجاف أخيرًا في حل واجباتهم، وأنه يكفي لهذا الحد إستعمال القلم الرصاص… هؤلاء الصغار وأنا معهم كانوا ينظرون لمن يكتب بالقلم الجاف كمن يمارس خدعات بصرية ببراعة وكيف لا يخطئ؟ وكيف يتعامل وهو يعلم أن الممحاة لا تفيد إن أخطأ إنه مذهل …. والآن سنحت لهم الفرصة لكسر الرصاص واقتناء الأفلام الجافة والحبرية…

" فى الحياة عند لحظة معينة، يصبح القلم الجاف هو الراعي الرسمى للأحداث والأقدار وكل شئ تقريبًا "

فاصل

يقول نفساني بريطاني مجهـول : "نولد حمقى، ثم نمنح أنفسنا أخلاقاً فنصبح أغبياء وتعساء، ثم [في النهاية] نموت".

( ٢)

أعتقد أن عدوي فى المرحلة الإبتدائية هو المهندس أو صاحب فكرة تخصيص قطعة الأرض الملاصقة للمقابر لبناء المدرسه الإبتدائية، لقد أذاقني الويلات والويلات ….

٢٠٠٤، ٢٠٠٥ ، ٢٠٠٦، ٢٠٠٧، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩

أجلس في مقعدي المجاور للنافذة، وبكل أريحية أستطيع دون مجهود أن أطل منها لأكشف مربع المقابر مقبرة مقبرة والطريق المجاور لها والمؤدي لها …. من النافذة أري أحداثًا كتبت بالجاف وتحديدًا الأسود…. من النافذة أشاهد الجنائز بشكل رأسي من زاويه فوقية لا يطيقها سوى الألهة …. كنت أرتعد لقد دخل الجسمان الأبيض والرجال لا يدخرون جهدًا فى سد الفوهة بالطوب والأسمنت والشمس تضرب الزجاج فلا أري سوي صور مهتزة ضبابية وفجأة ينحسر الجمع ويصبح الجسمان وحيدًا لا أعرف ماذا يواجهه بالداخل بالظبط سوي الأساطير التي حشى خطيب المسجد بها خيالي ….

هذا المشهد أصبح يتكرر كفيلم رعب في ضوء الشمس لسنوات طوال الوقت، و اعتقد أنه له دور لا بأس بيه في تكوين فلسفتي التشاؤمية عن الحياة ..

" لو تأملت حياتي لوجدتها عبارة عن إنتظار لرنة جرس الفسحة، وأعتقد أنه رغم التعقيدات التي يمكن أن تسرد في شرح تفاصيل كثيرة في المسافه بين الحياة منذ الصرخة الأولي وحتي أخر نبضة إلا أن هناك طريق قصير ومعبر افضل من ذلك وهو أنها كما قولت إنتظار لرنة جرس الفسحة في الابتدائية في الإعدادية في الثانويه حتي في الجامعه انتظر رنة جرس الفسحة، ولكن متي يرن جرس الفسحة للمرة الأخيرة؟ بحيث لا نحتاج لانتظاره مره أخري! "

( ٣)

٧ نوفمبر ٢٠٢٠

شاهدت حدوث هذا منذ عده أيام، ولكن لم يكن جرسي وإلا ما كنت لأثرثر بكل هذه الكلمات، لقد كان جرس جدي، وهو رجل بسيط لم يقدم شيئًا لامعًا، لم يظهر في برامج تلفزيونية ولم يكن نجمًا سينمائيا او نائبًا في مجلس الشعب يوما ما، لم يكن أي شئ من هؤلاء الذين تستمر ذكراهم لقرن او قرنين، مما يجعلني أشعر بالإحباط بعض الشئ، لأني كنت أري جدي فريدًا بشكل إستثاني، كل ما في الأمر أنه كان دوما في الظل كان بعيدا عن الأضواء ومل سريعا ضجيج العالم ففقد عمدا ربما كثيرا من قدراته السمعية، ولكنه كان يحب حليم، لم يكن يوما ضد الأغاني ولم يكن متزمتا على الإطلاق وكان له فلسفتة الخاصة والمتفردة عن الحياه التى لا تختلف كثيرا عن فلسفة النخبة وكان بعيدا كل البعد عن كل ما هو متعصب متشدد وكان مولعا بناصر وتجربته وحلمه الذي عاشه وكان يحب جدتي وكان يحبنا، كان طيبا مسالما لدرجه كبيرة إلى أخر التفاصيل التي لا يكفي الوقت لسردها إلا بإستهلاك كل مناديل البيت… عندما رن جرس الفسحة للمرة الأخيرة ذهبنا حيث مستطيل المقابر ولم أجد الطفل الذي كان يطل من النافذة، وجدته كبر، مات خوفه كثيرا، حتي دموعه رصيده منها كاد أن ينعدم، وجدته ينحسر مع من انحسروا، يتقبل الفاجعة كلوح ثلج صوبت نحوه عود ثقاب مشتعل.. ماذا بعد؟ أهذه نهاية كل الحكايات وكل هذه السنين الأحلام والأحذية والثياب الجديده وأول قبلة والذكريات، النشوة والأفلام والخضرة والعرق، الدراسة والعمل والأصدقاء والفراش الدافئة وفرحة اول مرتب، الرسم علي الورق وعلي الحائط، دفئ حضن الحفيد الأول والثاني والعاشر، إنني حفيده الأول أتفاخر أنني حفيده وأني رقما مميزًا في حياته، لماذا لم تصمد ياجدي لقد إستسلمت سريعًا، لا بأس كنت اتوقع ذلك لأنك بطلي الذي لم يهاب الموت يومًا، وعندما جاء قابلته بكل ترحيب ….

فاصل

نسيت أن أقول لقد كان جدي أول من تعلمت منه أن أوجه رجال الدين بسخرية عندما يستعملون أداة الترهيب المفضلة بالنسبه لهم، لقد أخبرني أنهم ليسوا ألهة ولا أنصاف ألهة ولا المتحدثين الرسميين بإسم الإله …

(٤) رسالة

فى المشفي وبعد أن إستخرجت شهادة وفاتك شعرت أنني بصدد استرجاع مشهد من الماضي ومقارنة بما آلت إليه الأمور، وما آلت إليه الأمور كان ثقيلًا للغاية، لقد كنت تتكأ على لتهبط الدرج قريبًا، والآن أحمل شهادة وفاتك، ألهذه الدرجه تمتلك الحياة بجعبتها سيناريوهات مرعبه لنا؟ ألهذه الدرجه قليل من الكلمات المكتوبه بالجاف تصبح أخر ما يثبت أننا كنا هنا !

-خاتمه

لقد مات جدى الذي لا تعلق صورته في أذهان الملايين ربما العشرات ربما مئة او مئتان وسيظل الرقم يتقلص مع الزمن ولكن ماذا بعد؟ هل سأستسلم؟ بالطبع لا سأظل رغم كل ذلك الاحباط اتذكره دائما لأنه يستحق الذكر لانه لا يجب أن يُنسي …

لروحك السلام يا جدي "حتي تحترق النجوم وتفني العوالم ، حتى تتصادم الكواكب وتذبل الشموس

وحتى ينطفئ القمر وتجف البِحار والأنهار

حتى اشيخ فتتآكل ذكرياتى

حتى يعجز لسانى عن لفظ اسمك

حتى ينبض قلبى للمرة الاخيرة

فقط عند ذلك ربما اتوقف

ربما.."