رثاء هرّ.

غرض الرثاء هو أحد أغراض الشعر العربي المعروف، وغرض الرثاء هو قريب جدا من غرض المدح، نعم كما قرأت،
ولكن كيف ذلك؟ المدح هو ذكر محاسن الشخص وتوضيحها وإظهارها مثل شجاعته وكرمه وسماحته وحكمته وإلى غير ذلك، وهذا ما يكون في الرثاء أيضا، ولا يفرق ويفصل بينهما إلا أن يذكر الشاعر أن من يتكلم عنه في قصيدته قد ( هلك ) أي مات، فيتحول المدح إلى رثاء، بل إن بعضهم قال أن الرثاء هو مدح تأخر وقته!

وربما نستطيع أن نقول أن الرثاء يأتي في ثلاثة أنواع.

الأول: أن الشاعر قد يرثي أخاه أو زوجته أو أمه أو والده أو ابنه أو أحد أقاربه أو صديقه.

الثاني: أنه يرثي أمير أو أم أمير أو زوجته أو أخته أو أحد أقاربه عموما، هذا إذا كان ممن يدخلون الملوك ويمدحونهم أو يقيم في بلاطه وينقطع له.

الثالث: وهو موت رجل مشهود له بالعلم والخلق وصاحب مكانة بين الناس، أو موت شاعر كبير فيتبارى الشعراء في رثائه وتأبينه، ويقال أن أبا العلاء المعري لما مات وقف على قبره أكثر من ثمانين شاعرا يرثونه، وغيره من الشعراء الذين رثوهم شعراء بعد موتهم، مثل الشاعر علي بن الجهم رثى أبا تمام، والمتنبي رثاه جمع كثير من أهل زمانه وغيرهم.

كل هذا معروف وطبيعي، ولكن ما علاقة ذلك باسم المقال ( رثاء هر )؟
لقد أزلفت لك هذه المقدمة لسبيين هما، الأول حتى أهيأ نفسك لهذا الغرض وأعطيك فكرة سريعة عنه، الأمر الثاني هو أن أقول لك أن العرب وصل عندهم الرثاء إلى درجة أنهم كانوا يرثون حيواناتهم التي يحبونها، وموضوع مقالة اليوم عن شاعر رثى ( هرّ ) كان يحبه ويأنس له

هو الشاعر الحسن بن علي بن أحمد النهرواني ( ٢١٨_٣١٨ هـ ) المشهور بـ ( ابن العلاف ) عاش في بغداد وكف بصره في آخر أيامه، وكما أسلفنا لما مات هرّه الذي كان يحبه ويأنس له ثم دخل أحد أبراج الحمام عند جيرانهم وأكل من حمامهم فأمسكوه وذبحوه، فكتب قصيدة جميلة يرثيها فيها ويقول:

يا هر فارقتنا ولم تعد
                  وكـنـت منـا بمنزل الولـدِ
وكيف ننفك عن هواك وقد
                  كـنـت لنـا عدة من العـدد
تمنع عنا الأذى وتحرسنا
                بالغيب من حية ومن جود
وتخرج الفأر من مكامنها
              مـا بين مفـتـوحها إلى السدد
يلقاك في البيت منهم عدد
            وأنــت تـلـقـــاهـــم بــلا عــدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا
             ولــم تـكـن لـلأذى بـمـعـتـقـد
وكان قلبي عليك مرتعدا
              وانـت تـنـسـاب غـيـر مـرتـعـد
تدخل برج الحمام متئد
             وتـخــرج الـفــرخ غير مـتـئــد

كادوا دهرا فما وقعت وكم
              افلت من كيدهم كيد مجتهد
صادوك غيظا عليك وانتقموا
               منك وازادوا ومن يصد يصد

هذه بعض أبيات القصيدة، فهي نيف وخمسين بيتا، أوردنا بعض أبياتها من مقدمتها، ولمن يحب أن يقرأها فهي موجودة.

https://forum.alrams.net/showthread.php?t=271046


والشيء بالشيء يذكر، فإن الشاعر محمود حسن إسماعيل كان عنده كلب يسمى ( وعد ) لما مات كتب الأستاذ محمود شاكر قصيدة له وهي موجودة لمن يحب أن يطلع عليها.



تقييد أحمد حلمي