*سعيد بن جبير:

الإمام الحافظ، المقرئ، المفسر، الشهيد، كان تقيًا عالمًا، تلقى العلم عن ابن عباس (حبر الأمة)، وعن عبدالله بن عمر، وعن الصديقة بنت الصديق عائشة _رضى الله عنهم جميعًا_ في المدينة المنورة، عاش بالكوفة وكان أعلم التابعين، وكان همه نشر العلم، فأصبح إمامًا لأهل الكوفة.

*قصته مع الحجاج:

القصة طويلة جدًا، لكن المقام لا يسمح بأكثر مما سيُذكَر، بايعَ سعيد بن جبير عبدَ الرحمن بن الأشعث في ثورته على الحجاج، فاستقر الحجاج أن يأسرهما فظفر بابن الأشعث، وهرب سعيد إلى أصبهان، فبعث إليه الحجاج من يأتي به  فهرب مرة أخرى، وكان من عادة سعيد أنه كان يحرم في السنة مرتين: مرة للعمرة، ومرة للحج، فلما جاء موعد الإحرام ظفر الحجاج به هو الآخر، ودار بينهما حوار نذكر منه الآتي:

الحجاج: ما اسمك؟ 

سعيد: سعيد بن جبير.

الحجاج: بل أنت شقي بن كسير.

سعيد: بل أمي كانت أعلم باسمي منك.

الحجاج: شقيتَ أنت، وشقيتْ أمك.

سعيد: الغيب يعلمه غيرك.

الحجاج: لأبدلنَّك بالدنيا نارًا تلظى.

سعيد: لو علمتُ أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا.

الحجاج: فما قولك في محمد.

سعيد: نبي الرحمة، وإمام الهدى.

الحجاج: فما قولك في على بن أبي طالب، أهو في الجنة أم في النار؟

سعيد: لو دخلتها؛ فرأيت أهلها لعرفت.

الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟

سعيد: لست عليهم بوكيل.

الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟

سعيد: أرضاهم لخالقي.

الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟

سعيد: علم ذلك عنده.

الحجاج: أبيتَ أن تَصْدُقَنِي.

سعيد: إني لم أحب أن أكذبك.

الحجاج: فما بالك لم تضحك؟

سعيد: لم تستوِ القلوب وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار.

لم تنفع هذه الطريقة مع الحجاج، فأغراه الحجاج بالمال واللؤلؤ، ووضع أموالاً طائلةً بين يديه، 

فقال سعيد: "إن كنت يا حجاج قد جمعت هذا المال لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت". 

لقد أفهمه سعيد أن المال هو أعظم وسيلة لإصلاح الأعمال وصلاح الآخرة، إن جمعه صاحبه بطريق الحلال لاتـِّقاء فزع يوم القيامة

وهذه محاولة أخرى من الحجاج لإغراء سعيد تبوء بالفشل، فهو (سعيد)  ليس من عباد الدنيا ولا ممن يبيعون دينهم بدنياهم، فاتخذ الحجاج طريقًا آخر، فبدأ يهدد سعيدًا بالقضاء عليه، ودار هذا المشهد بينهما

 الحجاج: ويلك يا سعيد!

سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. الحجاج: أي قتلة تريد أن أقتلك؟

 سعيد: اختر لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلتك قتلة في الآخرة. 

الحجاج: أتريد أن أعفو عنك؟ 

سعيد: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عُذر.

 الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه. 

فلما خرجوا ليقتلوه، بكي ابنه لما رآه في هذا الموقف، فنظر إليه سعيد وقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟ وبكي أيضًا صديق له، فقال له سعيد: ما يبكيك؟ الرجل: لما أصابك. سعيد: فلا تبك، كان في علم الله أن يكون هذا، ثم تلا: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد:22] ثم ضحك سعيد، فتعجب الناس وأخبروا الحجاج، فأمر بردِّه، 

فسأله الحجاج: ما أضحكك؟ 

سعيد: عجبت من جرأتك على الله وحلمه عنك. 

الحجاج: اقتلوه.

 سعيد: {وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79]. 

الحجاج: وجهوه لغير القبلة. 

سعيد: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة:115]. الحجاج: كبوه على وجهه. 

سعيد: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى. 

الحجاج: اذبحوه. 

سعيد: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني يا حجاج حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد ربه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.

يقول ابن مهدي، عن سفيان، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه.

*الحجاج:

عرف بجبروته وظلمه على مر الأزمنة، وما من إن أحد _تقريبًا_ إلا وسمع عنه، ولكن سنكتفي بما ذكره الحافظ الذهبي في ترجمته له في كتابه العظيم سير أعلام النبلاء:

"أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين كهلا، وكان ظلوما، جبارا، عاصيا، خبيثا، سفاكا للدماء، وكان ذا شجاعة وإقدام، وكر ودهاء، وفصاحة،وبلاغة، وتعظيم للقرآن".