""استطاع بترجمته أن يّرُدَّ الكلامَ أصيلًا كأنه لم يُكتب من قبلِ ذلك بلغة أخرى، ولم يَصْدرْ عن قَريحةٍ سابقة، فقد كان يُترجِمُ الكلامَ في سليقته شعورًا قبل أن يترجمه لفظًا ومعنى، فيجيش به كما جاش به صاحبُه، ويُعبِّرُ عنه بعد ذلك كأنه ينقل قطعةً من حسه وخياله." (العقاد متحدثًا عن براعة ترجمة المازني). 

حريٌّ بالمترجم أن يتحرر من قيود النص وأغلال الكلمات وأن يتشبث بالمعنى؛ يسأل نفسه "ماذا يريد الكاتب أن يقول باستخدامه لهذه الكلمات؟ ما الفكرةُ القابِعةُ وراء اختياره لهذه الألفاظ؟" وما أن يُمسِك خيطَ الفكرةِ فيفْهَمَها ويستوْعِبَها، حتَّى يبدأَ في صياغتها بأُسْلُوبِه، لا شك أنه سيتقيد بعض الشيء بما اختارَه الكاتبُ من ألفاظٍ وتعبيرات، ولكنْ تقيدُه هذا يجب ألا يأتي أبدًا على حسابِ بلاغة الأسلوب وجَمالِه، ناهيكَ عن صحة الفكرة وجلائها!

ودعونا نذهب إلى مقطع آخر من الكتاب:

"يقول تولستوي "فمنذ وجدت البشرية، وحيثما وجدت الحياة، وُجد الإيمان الذي يجعل الحياة ممكنة. إن الإيمان هو معنى الحياة، وبفضله لا يدمر الإنسان نفسه، وإنما يمضي في العيش. إنه القوة التي نحيا بها. إن لم يعتقد الإنسان أنه لا بد أن يحيا من أجل شيء ما، فلن يحيا على الإطلاق. إن أفكارًا كإله لانهائي، وألوهية الروح، واتحاد أفعال الإنسان مع الله، أفكار مشغولة بعناية دقيقة في الأعماق السرية اللانهائية في فكر الإنسان. إنها أفكار من دونها لن توجد حياة، من دونها لم أكن لأوجد أنا نفسي. بدأت أرى أنه ليس لي حق في الاعتماد على استدلالي الفردي وإهمال هذه الإجابات التي يطرحها الإيمان، وذلك لأنها الإجابات الوحيدة على السؤال." 

فتأمل سيدي القارئ تلك المواضع التي اعتمد فيها المترجم على الترجمة الحرفية: 

- "إن الإيمان هو معنى الحياة، وبفضله لا يدمر الإنسان نفسه" ! (ترجمة حرفية بحتة لكلمة "destroy" إلى "يدمر").

- "إن لم يعتقد الإنسان أنه لا بد أن يحيا من أجل شئ ما، فلن يحيا على الإطلاق." !

- "إله لا نهائي" .. !

- "إنها أفكار من دونها لن توجد حياة" ! ..

- وانظر إلى هذه الجملة العجيبة وقل لي ماذا فهمت منها: " ... أفكار مشغولة بعناية دقيقة في الأعماق السرية اللانهائية في فكر الإنسان" !! ما هذا؟! 

أعتقد أن المترجم المبتدئ قد يخرج بترجمة أفضل من تلك، فالنص الذي بين أيدينا يعطي فرصًا هائلة للمترجم كي يخرج ترجمة بديعة وأنيقة، إنه أرض خصبة لتفجير المواهب الإبداعية الفنية في الترجمة، أي مترجم يتناول هذا النص بالترجمة سيسعد به أيَّما سعادة حيث يمنحه النصُّ فرصة عظيمة لحشد طاقاته اللغوية وتسخير ذخيرة البلاغة والبديع من تقديم وتأخير، وإيجاز وإسهاب، وتلميح وتصريح، وغير ذلك ! هذا فضلًا عن "تقنيات الترجمة" التي يدرسها الطلاب في أروقة الجامعات وقاعات الدراسة، أما ترجمة الكتاب فهي للأسف تسير حذو النص كلمة بكلمة، وجملة بجملة، وسطرًا بسطر، دون تفعيل لأي تقنية من تقنيات الترجمة، تمامًا كما يفعل من يخطو خطواته الأولى في عالم الترجمة، فيخشى أن يستبدل كلمة بأخرى أو يغير من ترتيب الجمل والعبارات ظنًا منه أنه بذلك يخرج عن مراد الكاتب !

قد يأتيك المترجم ويقول لك "لقد أنفقتُ زُهاءَ سنتين أو ثلاث سنواتٍ في ترجمة هذا الكتاب، وكنتُ أسهرُ على ترجمته حتى مطلع الشمس، وواصلت الليل بالنهار، وأفنيتُ في ترجمته ساعاتٍ طوالٍ، وأبْليْتُ في سبيله معاجمًا كثيرة وأوراقًا لا حصر لها"، وكل هذا لا يعني لنا نحن معاشر القرَّاء شيئًا إذا كانت المُحصلة النهائية مخيبة للآمال، بل يَعيب في المترجم وفي قدراته، فبعد أن مكثتَ عزيزي المترجم سنواتٍ تُترجم هذا الكتاب ثم خرجتْ ترجمتك على هذا النحو، فما هذا إلا دليل على ضعف قدراتك، فلا يشفع للعامل في المصنع أنه يقضي 8 ساعاتٍ في صناعة المنتج، في الوقت الذي يقضي فيه زميله الماهر 3 ساعات فقط ويخرجه بجودة أعلى! فدعكم أعزائي القراء من هذه العبارات التسويقية! وكذلك لن تُغني شهادات الشاهدين التي تصطبغ بالمجاملات وبالإطراء الزائف، فالحَكَمُ الأول والأخير هو العمل الذي بين أيدينا، وهو كما ترون وكما نوضح.

وهاكم ترجمتي للفقرة السابقة:

"منذ أن بَزَغَ فجرُ البشرية على وَجْه البسيطة، وفي كل مكانٍ دبَّتْ فيه حَياةٌ، كان ثَمَّ إيمانٌ يَنُفثُ الرُّوحَ فيها. إنَّ معنى الحياةِ مكنونٌ في الإيمان، إنه ذاك المعنى الذي يَجعلُنا نَمضي في حياتنا ونَسْعى؛ المعنى الذي يَحولُ بيننا وبين إنهاءِ حَيَواتِنا، إنَّه القوةُ التي تَبثُّ الحياةَ في نفوسِنا، فما أن يفقدَ المرءُ إيمانَه فيما يعيش من أجله، حتى يَقضي على حياته بالفناء. إن أفكارًا مثل الإله الأبدي الأزلي،وألوهية الروح، واتحاد أفعال الإنسان مع الإله، لهي أفكارٌ راسخة في أغوار الفكر البشري السحيقة، تلك الأفكار التي لولاها لما كانت الحياة، ولولاها لما كان لي وجود. لقد بدأتُ أقتنع الآن أنني لم أكن على صوابٍ عندما اعتمدت على قوى تحليلي وتفكيري الفردية وأوليتُ ظهري لتلك الإجابات التي يمدني بها الإيمان، فتلك الإجابات دون غيرها هي الشافية الوافية."

ولنختم بفقرة أخرى من الكتاب:

وهذه ترجمة المترجم:

"نجد نوعًا مختلفًا إلى حدٍّ ما من السوداويَّة الدينيَّة المدوَّنة في الأدب في السيرة الذاتية للكاتب والواعظ الإنجليزي جون بونيان John Bunyan (1628 - 1688). كانت انشغالات تولستوي موضوعيةً إلى حدٍّ كبير، فما شغله كان هو غاية الحياة ومعناها بشكلٍ عام؛ لكن مشاكل بونيان البائس كانت مرتبطةً بأوضاعه الذاتيَّة الخاصَّة. كان حالة نموذجيَّة للطبع المُعْتَلِّ نفسيًّا؛ ضميره حساس بدرجة مَرَضِيَّة، وتستبدُّ به الشكوك، والمخاوف، والوساوس، وكان ضحية للتلفُّظ التلقائي، بنوعَيْه؛ أي تلقائية جُوَّانية الحِس وتلقائية برَّانيَّة الحركة. وعادةً ما كانت هذه الألفاظ، التي ينطق بها بلا وعيٍ، نصوصًا من الكتاب المقدَّس، والتي كانت تأتي - مادحة أحيانًا وناقدة أحيانًا أخرى - في صيغة نصف-هلوسيَّة كما لو كانت أصواتًا، تلتصق بعقله وتتقاذفه في ما بينها ككرةِ التنس. وأضف إلى كل هذا سوداويَّةً مروِّعة واحتقارًا للذات وقنوطًا. "

وسأترك لكم التعليق على تلك العبارات:

- "السوداوية الدينية" 

- "الطبع المعتل نفسيًا"!

- "ضميره حساس بصورة مرضية"!

- "صيغة نصف هلوسية"!

- "سوداوية مروعة"!

- "أصواتًا تلتصق بعقله وتتقاذفه" (هل الأصوات تلتصق بالعقول أم تتردد فيها (وتختلج فيها / تعتلج فيها / تموج بين جنباتها / إلخ)؟ ثم من أين لها أن تلتصق به وتتقاذفه في نفس الوقت؟ فالالتصاق يوحي بملازمة الشئ المُلتصق به ملازمة تامة، أما التقاذف فيوحي بانفصال الشئ عن قرينه، بل وعلى إحكام السيطرة عليه.)

وهذه ترجمتي لها:

"ونجد في سيرة جون بونيان –الكاتب والواعظ الإنجليزي- صورةً أخرى لحالة الحزن العميق التي تثيرها العاطفة الدينية قد سجَّلَها في أدبه. تتسم الموضوعاتُ التي شغلت تفكير تولستوي بالموضوعية؛ فقد كان البحث عن معنى الحياة والغاية من ورائها هو همه الشاغل ومبعَثُ حيرته. أما المسكين بونيان، فقد ساورته اضطرابات نابعة من انشغاله بحاله وبذاته، ومثَّل حالةً نموذجيةً لشخص مصاب بالاعتلال النفسي المزاجي؛ إذ أرهبته وخزات الضمير إلى حدِّ الجنون، وعصفت به الشكوك والمخاوف، ونهشت عقلَه الوساوسُ طوال الوقت، فوَقَعَ فريسةً لحالةٍ من التلفُّظ اللاإرادي (الجوّاني والبرَّاني)، فكانت الكلماتُ تخرجُ من فِيهِ دون إرادةٍ منه في هيئة نصوص من الكتاب المقدس، تارة تحمل نذيرًا ووعيدًا، وتارة أخرى تحمل بشرًا وسرورًا؛ في عبارات متشرذمة مبتورة، كأنها هلاوس غامضة في طيات أصوات مُبهمة، ثم تُجهِزُ على عقله وتطوِّح به كما يفعل الذئب بفريسته. وفوق كل هذا، تشبَّعت روحُهُ بكآبةٍ ممزوجة بخوفٍ مستبدٍ وبازدراءٍ للنفس وبيأسٍ لا يفارقه."

وختامًا أقول،

إن الترجمة مسؤولية؛ مسؤولية تجاه الكاتب ونصه، فلا يغير المترجم من أفكار الكاتب ولا يُبدِّل فيها، ويحرص على أن ينقلها واضحة إلى القارئ على النحو الذي كان الكاتب ليفعله لو كان له علم باللغة المنقول إليها، إلا إذا كان الكاتب يتعمد إضفاء لونٍ من الغموض على نصه، فإن واجب المترجم حينئذ أن ينقل هذا الغموض بنفس درجته، فلا يزيده غموضًا بدرجة يحتار فيها القارئ وكأنه ضلَّ سبيلَه في مفازة يغشاها ليلٌ مُدلهم، ولا يكشف عن مضامينه كشفًا سافرًا فيخرج بذلك عن غاية الكاتب. ثم إن الترجمة مسؤولية تجاه القارئ الذي يشتري الكتاب معتمدًا على المترجم واثقًا من أنه سينقل له بأمانة أفكار النص على نحوٍ تتحصل منه ثمرة الكتاب، وبشكل يجعل المترجم مجرد جسر خفي وهمزة وصل شفافة بين القارئ والكاتب كما لو كان الكاتب يخاطب القارئ مباشرة. الترجمة السيئة من أسوأ التجارب التي قد يمر بها القارئ، فإنها تصرفه عن التفكير في محتوى النص إلى القلق بمدى صحة الأفكار التي ينقلها المترجم، هنا يصبح وجود المترجم محسوسًا ومصدرًا للقلق والإزعاج، فكلما يرتطم القارئ بتعبير غير مستساغ، يطفو وجه المترجم على صفحات الكتاب معلنًا عن وجوده، ويتذكر القارئ أن ثمة عنصر دخيل بينه وبين الكاتب يحول بينهما. المترجم الناجح هو الذي يذوب في أثناء النص وطياته فلا يشعر القارئ بوجوده، أما إذا أقحم المترجم نفسه في العلاقة بين القارئ والكاتب، فإن هذا بلاشك مدعاة للقارئ أن يترك تلك الرحلة برمتها، وبهذا تضيع الفرصة على الكاتب والقارئ في التواصل، وينقلب دور المترجم من وسيط بين الكاتب والقارئ إلى حائل يقف دون تواصلهما معًا.   


لمطالعة الجزء الأول، يرجى الدخول على الرابط التالي:

https://www.rqiim.com/ahmedlaheeb32083/%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%AA%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%85-%D8%AC%D9%8A%D9%85%D8%B3-%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%B1%D8%B6%D8%A7-%D9%88-%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%B3%D8%B9%D8%AF-1